This is a notification message.

32 أسرة صحفية تحت ركام غزة.. والحقيقة لا تموت

تقارير > ٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦, ١١:٥٠ص
المركز القطرى للصحافة
  • A-
  • A+

لم يقتصر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 على استهداف الأحياء والمنازل والمنشآت المدنية، بل امتد إلى واحدة من أهم أدوات نقل الحقيقة: الإعلام. فقد كشف تحقيق استقصائي أجرته شبكة الجزيرة عن مسح 32 أسرة صحفية بالكامل من السجل المدني في غزة، إلى جانب تدمير 53 منزلًا لصحفيين وأفراد عائلاتهم، في واحدة من أكثر الحروب دموية التي واجهها الصحفيون في العصر الحديث.

 

وطالت الضربات مختلف مكونات المشهد الإعلامي، من القنوات والإذاعات والصحف ومؤسسات الإنتاج، وصولًا إلى الصحفيين والناشطين الذين حملوا هواتفهم وكاميراتهم في محاولة لإبقاء غزة حاضرة أمام العالم، ونقل ما يجري فيها لحظة بلحظة.

 

أما الثمن الأثقل فكان بشريًا. وقال مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، في تصريحات للجزيرة نت، إن 265 صحفيًا وإعلاميًا استشهدوا خلال الحرب، إلى جانب 28 ناشطًا إعلاميًا ومؤثرًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وبحسب الأرقام التي أوردها الثوابتة، تضرر أو دُمر 16 مقرًا لقنوات فضائية، و11 مؤسسة إذاعية، و12 مقرًا لصحف ومجلات، و23 مؤسسة إعلامية رقمية، إضافة إلى 27 مطبعة و5 مؤسسات نقابية وحقوقية معنية بحرية العمل الصحفي.

 

حجم الخسارة

لكن هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تختصر حجم الخسارة. فبحسب محسن الإفرنجي، أستاذ الإعلام المساعد في جامعة قطر، فإن ما جرى يمثل «أكبر ضربة عدوانية يتعرض لها نظام إعلامي محلي في العصر الحديث»، لأن تدمير المؤسسات لا يعني فقدان المباني والمعدات فقط، وإنما إسقاط منظومة متكاملة تضم غرف الأخبار والكوادر والخبرات والأرشيف وشبكات الاتصال.

وتشير تقديرات الثوابتة إلى أن خسائر القطاع الإعلامي بلغت نحو مليار دولار، وشملت المقرات والمعدات ومركبات البث والأجهزة التقنية.

لا يظهر أثر هذه الخسائر في أرقام الدمار وحدها، بل في تفاصيل العمل اليومي للصحفيين. فمع تدمير المعدات وإغلاق المعابر وندرة الاستيراد، أصبح الصحفي في غزة يعمل بإمكانات محدودة ودون بدائل حقيقية. وقد يتحول تعطل هاتف أو ميكروفون أو بطارية أو حامل تصوير إلى سبب كافٍ لتعليق التغطية، في ظل نقص قطع الغيار وارتفاع أسعار المعدات التقنية إلى مستويات تفوق قدرة معظم الصحفيين والمؤسسات المحلية.

ويرى الإفرنجي أن استشهاد الصحفي لا يعني غياب شخص فحسب، بل فقدان «شاهد حي» على الأحداث والانتهاكات، تمامًا كما يمثل انهيار مؤسسة إعلامية فقدان منصة كانت مفتوحة أمام المجتمع على مدار الساعة.

وتكشف تجربة شركة «عين ميديا» للإنتاج حجم هذه الخسارة على المستوى الإنساني؛ فقد استشهد عدد من المصورين والعاملين فيها، بينهم مؤسسها رشدي السراج، الذي استشهد في الشهر الأول للحرب، فيما فُقد آخرون، لتخسر الشركة فريقًا راكم خبرات مهنية على مدى سنوات.

وتقول الصحفية شروق العيلة، زوجة السراج، للجزيرة نت، إن فقدان أعضاء الفريق كان أقسى من خسارة المعدات، لأن كل فرد منهم كان يمثل خبرة وبصمة وطريقة خاصة في العمل.

 

وبعد النزوح إلى رفح، وجدت الشركة نفسها تحاول مواصلة العمل بكاميرا واحدة، بعدما بقيت معداتها الأساسية وحاسوبها في غزة، واضطر الفريق إلى الاستعانة بمعدات صحفيين آخرين، وبطاقات ذاكرة وميكروفونات وأقراص تخزين وفرها أصدقاء من الخارج. وتحول البحث عن الإنترنت والكهرباء إلى جزء من يوم العمل نفسه.

 

 إعلام الطوارئ

كان هذا التحول من أبرز ما تركته الحرب على شكل الإعلام المحلي. ويقول الكاتب الصحفي وسام عفيفة إن النموذج التقليدي للمؤسسة الإعلامية، القائم على مقر ثابت وغرفة أخبار واستوديوهات وفرق متخصصة وأرشيف وشبكات اتصال وطاقة ونقل، انهار خلال الحرب، وحل محله «إعلام طوارئ» متنقل يعمل بالحد الأدنى من الإمكانات.

ومع منع الصحفيين الأجانب من دخول غزة، وجد الصحفي الفلسطيني نفسه أمام مهمة غير مسبوقة؛ إذ أصبح المصدر الأساسي للصورة والمعلومة الميدانية إلى العالم، ليحمل عبئًا مزدوجًا: أن ينجو من الحرب، وأن ينقلها في الوقت نفسه.

وفي ظل انهيار البنية التقليدية للإعلام، لم يفقد الصحفيون مقراتهم ومؤسساتهم فقط، بل وجدوا أنفسهم أمام عزلة تقنية متزايدة.

ويقول رائد كحيل، المختص في مبيعات معدات التصوير، للجزيرة نت، إن السوق يعاني شحًا شديدًا في المعدات، في وقت أصبحت فيه غالبية الأدوات المتوافرة لدى الصحفيين قديمة ومتهالكة بفعل الاستخدام المكثف طوال سنوات الحرب، بينما لا تتوفر البدائل بسهولة.

ولا يعكس الارتفاع الحاد في أسعار هذه المستلزمات حجم النقص في السوق فحسب، بل يكشف التكلفة التي بات الصحفي مطالبًا بتحملها حتى يحافظ على أبسط أدوات عمله، بعدما وصلت أسعار بعض المعدات إلى خمسة أضعاف مستوياتها قبل الحرب.

وبحسب كحيل، يصل سعر الهاتف المناسب للتصوير الصحفي إلى نحو 5500 دولار، ويتجاوز سعر الميكروفون اللاسلكي عالي الجودة 2500 دولار، فيما يبلغ سعر حامل الميكروفون نحو 300 دولار، وتتجاوز بعض البطاريات المحمولة 350 دولارًا، بينما قد تصل أسعار وحدات التخزين إلى 750 دولارًا.

وأمام استهلاك المعدات وصعوبة استبدالها، تحولت المحافظة على أدوات العمل نفسها إلى معركة يومية؛ فيستعير بعض الصحفيين هاتفًا أو ميكروفونًا من زميل أو صديق، أو يبحثون عن معدات يمكن توفيرها عبر العاملين في المؤسسات الدولية، في محاولة لسد النقص ومواصلة إنتاج الصورة.

 

الهاتف.. غرفة أخبار متنقلة

ومع انهيار جزء كبير من البنية التقليدية، انتقل الإعلام الرقمي من كونه خيارًا إضافيًا إلى مساحة رئيسية للبقاء والاستمرار.

ويقول حمزة مشتهى، المتخصص في الإعلام الرقمي، إن الحرب عززت انتقال الغزيين إلى المنصات الرقمية التي كانت أصلًا مصدرًا مهمًا للأخبار قبل الحرب، بعدما تعذر الوصول إلى الصحف والقنوات التلفزيونية، وانقطعت الكهرباء والاتصالات والإنترنت في أوقات كثيرة.

وفي بعض مناطق القطاع، أصبح الحصول على اتصال بالإنترنت فرصة نادرة، تجعل متابعة أخبار أسبوع كامل حدثًا بحد ذاته. ويصف الإفرنجي هذا التحول بأنه نموذج إعلامي هجين شارك في إنتاجه الصحفيون والمؤسسات والمواطنون والناشطون والمؤثرون.

لكن صعود الرقمي لم يُلغِ الحاجة إلى المؤسسة الإعلامية؛ فالحساب الفردي يستطيع نقل الصورة بسرعة، لكنه لا يوفر بالضرورة غرف الأخبار الضرورية للتحقق والتحقيق والأرشفة والإنتاج طويل الأمد.

ويرى مشتهى أن ما يميز الإعلام المحلي وجود «حارس بوابة» يمرر الخبر عبر مراحل من التحقق والمراجعة المهنية قبل وصوله إلى الجمهور، بينما تفتقر بعض المنصات الرقمية الناشئة أو الفردية إلى هذه الآلية، فتتحول السرعة أحيانًا إلى ثغرة في الدقة والمهنية.

ولهذا، فإن الهاتف والمنصة الرقمية قد يكونان قادرين على نقل الصورة في لحظتها، لكنهما لا يعوضان غرفة الأخبار بما توفره من تحقق وتحقيق وأرشفة ومتابعة مهنية.

ويرى عفيفة أن مستقبل الإعلام لا يقوم على استبدال المنصات الرقمية بالتلفزيون والإذاعة، بل على التكامل بينها؛ فالإذاعة تظل ضرورية عندما ينقطع الإنترنت، بينما يوفر الإعلام الرقمي سرعة الانتشار والوصول إلى الجمهور خارج غزة.

 

انهيار منظومة الطباعة

ولم تكن المؤسسات الصحفية التقليدية بمنأى عن الانهيار. فقد اضطرت صحيفة «فلسطين»، إحدى أبرز الصحف الفلسطينية وأكثرها انتشارًا في قطاع غزة، إلى وقف نسختها الورقية خلال الأسبوع الأول من الحرب.

وتقول مديرة تحرير الصحيفة سمر شاهين، للجزيرة نت، إن توقف النسخة الورقية لم يكن قرارًا تحريريًا، بل نتيجة انهيار منظومة الطباعة، في ظل تضرر مقر الصحيفة وارتفاع تكلفة الورق والطباعة، وتعطل الكهرباء والاتصالات.

لكن توقف المطبوع لم يكن نهاية الصحيفة؛ إذ نقلت ثقل عملها إلى موقعها الإلكتروني ومنصاتها الرقمية، وإلى النسخة الإلكترونية بصيغة «PDF»، بينما تولى فريق موجود خارج غزة إدارة جانب من العمل، واستمر الصحفيون داخل القطاع في إنتاج الأخبار والمتابعات من أماكن النزوح.

ومع ذلك، لا تنظر الصحيفة إلى هذا التحول باعتباره بديلًا نهائيًا عن النسخة الورقية، إذ ترى شاهين أن عودة المطبوع تظل مرتبطة بإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوافر مستلزمات الطباعة، وتحسن الظروف الأمنية والاقتصادية.

 

حرب تمتد إلى الشاشة

حتى الفضاء الرقمي لم يكن آمنًا. ويشير الإفرنجي إلى أن الاستهداف امتد إلى منصات التكنولوجيا الكبرى، وفي مقدمتها «ميتا»، مع حذف حسابات لصحفيين وناشطين ومؤسسات إعلامية، فيما يشير الثوابتة إلى اختراق مواقع ومنصات فلسطينية وحجبها.

وهكذا، انتقلت المعركة من استهداف الكاميرا في الميدان إلى استهداف المحتوى على الشاشة، وأصبح الصحفي يواجه تهديدات لا تنتهي عند حدود مكان الحدث.

ورغم حجم الدمار، يقول الثوابتة إن 143 مؤسسة إعلامية لا تزال تعمل ميدانيًا، إلا أن عفيفة يرى أن ذلك لا يمثل تعافيًا حقيقيًا، بقدر ما هو استمرار للعمل بدافع الضرورة.

وتواجه المؤسسات المتبقية نقصًا في المعدات وقطع الغيار، وضعفًا في الكهرباء والاتصالات، وغيابًا للمقرات، وصعوبة في التنقل، إلى جانب الاستنزاف النفسي والمهني والأزمة المالية.

ويضع عفيفة حماية الصحفيين، واستعادة الكوادر، والتأهيل المهني، في مقدمة الأولويات، إلى جانب توفير بنية تشغيل أساسية، وإعادة بناء المؤسسات وفق هياكل أكثر مرونة، وحفظ الأرشيف الذي أنتجه الصحفيون خلال الحرب.

 

 

المصدر – الجزيرة نت

المركز القطرى للصحافة
جرائم ضد الصحفيين حول العالم ١٩ مارس ٢٠٢٤, ٠٧:٠٠ص

أكدت دولة قطر مسؤولية الدول...

المركز القطرى للصحافة
نساء غزة في يوم الأم العالمي.. شهيدات وأرامل وثَكَالَى ٢١ مارس ٢٠٢٤, ١٠:٠٠ص

تستقبل نساء غزة يوم الأم...

المركز القطرى للصحافة
كتائب إلكترونية لتخوين الصحفيين في غزة ٠٦ أبريل ٢٠٢٤, ٠٨:٠٠ص

تواصل الآلة الإعلامية الإسرائيلية حربها...