This is a notification message.
بمناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، الذي يوافق الثاني من نوفمبر من كل عام، تتجدد المطالبات الدولية بمحاسبة المسؤولين عن قتل الصحفيين واستهدافهم، في ظل استمرار ارتفاع معدلات الإفلات من العقاب، واتساع نطاق المخاطر التي تواجه العاملين في المؤسسات الإعلامية، لا سيما في مناطق النزاعات.
وكشفت بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بهذه المناسبة، أن نحو 86% من جرائم قتل الصحفيين لا تزال دون حسم قضائي، بما يعكس اتساع الفجوة بين الالتزامات الدولية بحماية حرية الصحافة، والإجراءات الفعلية للتحقيق والملاحقة القضائية وإنفاذ العدالة.
وفي السياق ذاته، أعلن الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ)، في حصيلته المنشورة في 30 أكتوبر، مقتل 15 صحفياً وعاملاً إعلامياً بسبب عملهم الصحفي خلال عام 2026، في مؤشر جديد على استمرار المخاطر التي تهدد الصحفيين، خصوصاً في البيئات التي تشهد نزاعات مسلحة أو تراجعاً في ضمانات الحماية والمساءلة.
وتضع هذه الأرقام سلامة الصحفيين في صدارة الاهتمام الدولي، ليس فقط من زاوية منع الاعتداءات وجرائم القتل، بل أيضاً من حيث ضمان إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة، ومحاسبة الجناة، وإنهاء الإفلات من العقاب الذي يشجع على تكرار الانتهاكات ويقوض حق المجتمعات في الوصول إلى المعلومات.
أرقام مرعبة
تشير بيانات اليونسكو إلى أن أكثر من 1.600 صحفي قُتلوا حول العالم خلال الفترة من 2006 إلى 2025، فيما لا يزال نحو 86% من جرائم قتل الصحفيين دون حسم قضائي، بما يعني أن ما يقارب ست حالات من كل سبع حالات قتل لم تصل إلى تسوية قضائية تكفل محاسبة المسؤولين عنها وتحقيق العدالة للضحايا وأسرهم.
وتكشف هذه النسبة عن استمرار اتساع فجوة المساءلة، إذ ارتفع معدل الإفلات من العقاب إلى 86%، بزيادة نقطة مئوية واحدة، مقارنة بالمعدل السابق، في أول ارتفاع من نوعه منذ بدء اليونسكو قياس هذا المؤشر عام 2012.
وتعكس هذه المؤشرات حجم التحديات التي تواجه جهود إنفاذ القانون، في ظل بقاء العديد من الجرائم عالقة بين تحقيقات غير مكتملة، وغياب المعلومات الرسمية، وعدم صدور أحكام قضائية نهائية.
تصاعد القتل
خلال عامي 2024 و2025، سجلت اليونسكو مقتل 189 صحفياً وعاملاً إعلامياً في اعتداءات عنيفة، بزيادة بلغت 20%، مقارنة بالفترة السابقة المماثلة، فيما وقعت 67% من حالات القتل في مناطق نزاع، ما يؤكد أن البيئات المضطربة والحروب لا تزال تشكل التهديد الأكبر لسلامة العاملين في المجال الإعلامي.
ومن بين هذه الحالات، قُتل 50 صحفياً باستخدام الطائرات المسيّرة في ست مناطق حرب، في مؤشر على تنامي المخاطر المرتبطة باستخدام التقنيات العسكرية المتطورة في مناطق التغطية الميدانية. وشهدت الفترة نفسها مقتل 14 صحفية، جميعهن باستثناء واحدة في مناطق نزاع، بما يعكس حجم المخاطر التي تواجه الصحفيات في البيئات غير الآمنة.
وتكشف هذه الأرقام عن تحول في طبيعة التهديدات التي تواجه الصحفيين؛ إذ لم تعد المخاطر مقتصرة على إطلاق النار والقصف والاعتداء المباشر، بل امتدت إلى استخدام تقنيات عسكرية متطورة تزيد صعوبة الحماية والتحقق من ظروف الاستهداف وتحديد المسؤولية عن الجرائم.
وفي المقابل، تشير اليونسكو إلى تحسن بعض المؤشرات في البلدان التي لا تشهد نزاعات مسلحة؛ إذ انخفض عدد حالات قتل الصحفيين فيها إلى 62 حالة، وهو أدنى مستوى خلال 18 عاماً، وتراجع معدل الإفلات من العقاب إلى 77%، بانخفاض 17 نقطة مئوية منذ عام 2012.
حصيلة 2026
وفي أحدث مؤشر على استمرار المخاطر، أعلن الاتحاد الدولي للصحفيين مقتل 15 صحفياً وعاملاً إعلامياً حول العالم خلال عام 2026 بسبب عملهم الصحفي، وفق حصيلته المنشورة حتى 30 أكتوبر، وهي حصيلة تعكس استمرار استهداف العاملين في المؤسسات الإعلامية، خصوصاً في مناطق النزاعات.
وركز الاتحاد في حملته لعام 2026 على ضرورة الوصول إلى المسؤولين عن إصدار أوامر القتل والتخطيط لها، وعدم الاكتفاء بمحاسبة المنفذين المباشرين، تحت شعار: «العدالة للصحفيين تقتضي محاسبة العقول المدبرة».
ودعا الحكومات إلى دعم اتفاقية دولية ملزمة بشأن سلامة الصحفيين واستقلالهم، وتعزيز التحقيقات والملاحقات القضائية في جرائم القتل والاعتداءات.
الواقع العربي
تظل المنطقة العربية، ولا سيما فلسطين ولبنان، من أكثر مناطق العالم خطورة على الصحفيين، في ظل استمرار النزاعات المسلحة واتساع الاعتداءات على الطواقم الإعلامية وصعوبة إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة في كثير من الجرائم.
ووفق التقرير السنوي للاتحاد الدولي للصحفيين عن عام 2025، تصدرت منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي قائمة المناطق الأكثر دموية للصحفيين للعام الثالث على التوالي، بعدما سجل الاتحاد مقتل 74 صحفياً وعاملاً إعلامياً فيها، بينهم 56 في فلسطين، وهو ما يمثل 58% من إجمالي حالات القتل التي وثقها الاتحاد عالمياً خلال ذلك العام.
أما في حصيلة عام 2026، التي أعلنها الاتحاد حتى 30 أكتوبر، فقد سجلت فلسطين ولبنان واليمن 12 حالة قتل من أصل 15، توزعت بواقع خمس حالات في فلسطين، وخمس في لبنان، وحالتين في اليمن، بما يعني أن 80% من الحالات الواردة في حصيلة الاتحاد لهذا العام وقعت في دول عربية.
وتؤكد بيانات اليونسكو لعام 2026 أن الدول العربية سجلت أعلى عدد من حالات قتل الصحفيين على المستوى الإقليمي، وهو ما يعكس استمرار خطورة البيئة الإعلامية في المنطقة، خصوصاً في مناطق النزاعات.
ولا تقتصر الأزمة العربية على جرائم القتل؛ إذ يواجه الصحفيون تحديات أخرى تشمل الاعتقال والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتهديدات والملاحقات القضائية والقيود المفروضة على التغطية والوصول إلى المعلومات، فضلاً عن الاعتداءات الرقمية وحملات التشهير والتحريض.
وتبرز فلسطين ولبنان في صدارة ملف الاستهداف المباشر للصحفيين، فيما تتطلب أوضاع الصحافة في سوريا واليمن والسودان وغيرها من دول المنطقة متابعة مستقلة تشمل سلامة الصحفيين، وحرية العمل الإعلامي، واستقلال المؤسسات، وضمان عدم استخدام التشريعات أو الإجراءات الأمنية لتقييد التغطية الصحفية.
وتكشف المؤشرات العربية عن أزمة مزدوجة تتمثل في ارتفاع مخاطر العمل الصحفي في مناطق النزاع، وضعف ضمانات المحاسبة والتحقيق المستقل. فاستمرار قتل الصحفيين دون مساءلة لا يهدد العاملين في المهنة وحدهم، بل يضعف أيضاً قدرة المجتمعات على توثيق الانتهاكات والحصول على معلومات مستقلة وموثوقة.
خلاصة التقرير
تكشف المؤشرات الدولية أن أزمة سلامة الصحفيين لا ترتبط فقط بتزايد الاعتداءات وجرائم القتل، بل أيضاً باستمرار غياب المساءلة عن غالبية هذه الجرائم. فمقتل أكثر من 1,600 صحفي خلال عقدين، وبقاء 86% من جرائم القتل دون حسم قضائي، يمثلان مؤشراً خطيراً على ضعف منظومة الحماية والمساءلة على المستويين الدولي والوطني.
وفي المنطقة العربية، تتخذ الأزمة أبعاداً أكثر حدة، مع استمرار تسجيل أعداد مرتفعة من القتلى، خصوصاً في فلسطين ولبنان، وتراجع فرص المساءلة في البيئات التي تشهد نزاعات مسلحة.
حرية الصحافة
قتل الصحفي لا يستهدف شخصاً واحداً فحسب، بل يمثل اعتداءً على حق المجتمع في المعرفة، ويوجه رسالة ترهيب إلى بقية الصحفيين، وقد يؤدي إلى إسكات التغطيات والتحقيقات المتعلقة بالفساد وانتهاكات حقوق الإنسان والنزاعات.
وعندما يفلت مرتكبو هذه الجرائم من المحاسبة، تتزايد احتمالات تكرارها، ويتحول الإفلات من العقاب إلى أداة للرقابة وإسكات الأصوات المستقلة، بما يهدد حرية الصحافة وقدرة الإعلام على أداء دوره الرقابي.
وتعكس بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) والاتحاد الدولي للصحفيين اتساع أزمة سلامة الصحفيين، سواء من حيث أعداد القتلى بسبب عملهم المهني، أو ضعف المساءلة القضائية عن الجرائم المرتكبة بحقهم.
إن إنهاء الإفلات من العقاب ليس مطلباً نقابياً أو مهنياً يخص الصحفيين وحدهم، بل هو شرط أساسي لحماية حرية التعبير، وضمان حق المجتمعات في المعرفة، وصون قدرة الصحافة المستقلة على كشف الانتهاكات ومساءلة أصحاب السلطة.
اليوم الدولي
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، خلال دورتها الثامنة والستين عام 2013، وحددت الثاني من نوفمبر موعداً سنوياً لإحيائه.
وجاء اختيار هذا التاريخ تخليداً لذكرى اغتيال الصحفيين الفرنسيين كلود فيرلون وغيسلين دوبون، في مدينة كيدال شمال مالي، يوم 2 نوفمبر 2013، أثناء أدائهما مهمة صحفية لصالح إذاعة فرنسا الدولية (RFI).
ويهدف اليوم الدولي إلى حشد الجهود الحكومية والدولية والمدنية لمواجهة الاعتداءات على الصحفيين، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، وضمان إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، إلى جانب توفير بيئة آمنة تتيح للصحفيين أداء عملهم باستقلالية، بعيداً عن الترهيب أو التدخل.
ولا تقتصر أهمية هذه المناسبة على جرائم القتل، بل تمتد لتشمل الاعتداءات الجسدية، والاختطاف، والتعذيب، والاحتجاز التعسفي، والتهديدات، والملاحقات القضائية التعسفية، فضلاً عن العنف والتحرش الرقميين، ولا سيما ما تتعرض له الصحفيات.
وترتبط المناسبة أيضاً بخطة عمل الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحفيين ومسألة الإفلات من العقاب، التي أُطلقت عام 2012، وتدعو إلى تنسيق الجهود بين الحكومات والمؤسسات الإعلامية والمنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني، بما يعزز إجراءات الوقاية والحماية والمساءلة.
المصادر:
اليونسكو- بيانات سلامة الصحفيين لعام 2026.
الاتحاد الدولي للصحفيين- التقرير السنوي لقتلى الصحفيين لعام 2025.
الاتحاد الدولي للصحفيين- تقرير قائمة القتلى لعام 2025.
تستقبل نساء غزة يوم الأم...
تواصل الآلة الإعلامية الإسرائيلية حربها...