This is a notification message.

سلسلة الصحافة مرآة الحقيقة - ثيرانوس.. تحقيق صحفي يهدم إمبراطورية الوهم الطبي

تقارير > ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦, ١٠:٣٠ص
المركز القطرى للصحافة
  • A-
  • A+

يواصل المركز القطري للصحافة تقديم سلسلة الصحافة مرآة الحقيقة، التي تسلط الضوء على الدور المحوري للصحافة في كشف الملفات الشائكة والوثائق السرية، وما تتضمنه من تفاصيل دقيقة تكشف كواليس السياسات والقرارات التي أسهمت في تغيير مسار أحداث عالمية مفصلية.

وتتناول السلسلة محطات تاريخية بارزة اضطلعت فيها الصحافة الحرة بدور شجاع في كشف التجاوزات وممارسات السلطة، وتعزيز قيم الشفافية والمساءلة، وإبراز أهمية الإعلام في توثيق الحقائق وحماية الرأي العام.

وتستعرض السلسلة أيضاً نماذج تاريخية كشفت فيها الكلمة الحرة المستور، وأثبتت أن الصحافة ليست مجرد ناقل للأخبار، بل قوة فاعلة تسهم في إعادة التوازن بين الحقيقة والسلطة، وترسيخ حق المجتمع في المعرفة.

وفي هذه الحلقة، نستعرض كيف أسهم تحقيق صحفي في كشف حقيقة شركة «ثيرانوس» الطبية، بعدما تحولت من واحدة من أشهر شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون إلى واحدة من أبرز قضايا الاحتيال في قطاع الرعاية الصحية.

 

الحلم الملياري

بدأت القصة عام 2003، عندما أسست إليزابيث هولمز شركة «ثيرانوس» وهي في التاسعة عشرة من عمرها، بعدما تركت دراستها في جامعة ستانفورد لتحقيق فكرة بدت قادرة على إحداث ثورة في عالم الطب؛ إذ زعمت الشركة أنها طورت تقنية تتيح إجراء مئات الفحوص الطبية باستخدام قطرات قليلة من الدم تؤخذ من إصبع المريض، بدلاً من سحب كميات كبيرة وإرسالها إلى المختبرات التقليدية.

وقدمت هولمز فكرتها باعتبارها حلاً أسرع وأقل تكلفة وألماً، ويمكنه تغيير الطريقة التي يكتشف بها الناس أمراضهم ويتابعون حالتهم الصحية.

وسرعان ما جذبت الشركة اهتمام المستثمرين ووسائل الإعلام، وأبرمت شراكة مع سلسلة صيدليات «وول غرينز» لتقديم فحوصها إلى الجمهور.

ومع اتساع شهرتها، ارتفعت قيمة «ثيرانوس» إلى نحو 9 مليارات دولار، وتحولت هولمز إلى واحدة من أبرز الوجوه في عالم التكنولوجيا، وظهرت على أغلفة المجلات وفي المؤتمرات الكبرى بوصفها نموذجاً للنجاح والابتكار.

لكن خلف هذه الصورة اللامعة، كانت الشركة تخفي حقيقة مختلفة تماماً.

 

شكوك داخلية

داخل مختبرات «ثيرانوس»، اكتشف عدد من الموظفين أن الأجهزة التي وصفتها الشركة بالثورية لم تكن قادرة على إجراء معظم الفحوص المعلن عنها، وأن نتائج بعضها كانت متباينة أو غير دقيقة.

ومن بين هؤلاء الموظفين تايلر شولتز، الباحث الشاب وحفيد جورج شولتز، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وعضو مجلس إدارة الشركة. وقد لاحظ شولتز وجود مشكلات في دقة الاختبارات، فأدرك أن البيانات التي كانت الشركة تقدمها إلى الجمهور والمستثمرين لا تعكس حقيقة ما يجري داخل المختبرات.

كما رصدت الموظفة السابقة إريكا تشيونغ مخالفات تتعلق بطريقة التعامل مع العينات والنتائج. وعندما حاول الموظفون إثارة هذه المخاوف داخل الشركة، لم تُعالج ملاحظاتهم بجدية، بل واجه بعضهم ضغوطاً وتهديدات قانونية لإجبارهم على الصمت؛ فكان الخوف يحيط بالشركة من الداخل، بينما واصلت إدارتها الترويج لنجاحاتها أمام العالم.

 

بداية التحقيق:

وول ستريت جورنال

بدأت صحيفة «وول ستريت جورنال» تحقيقها في عام 2015، عندما وصلت معلومات إلى الصحفي الاستقصائي جون كاريرو تشكك في قدرة تقنية «ثيرانوس» على تنفيذ ما تدعيه.

حينها لم يتعامل كاريرو مع المعلومات باعتبارها اتهامات جاهزة للنشر، بل بدأ تحقيقاً استقصائياً استمر عدة أشهر، بحث خلاله عن الأدلة والشهادات التي يمكنها إثبات حقيقة ما يجري. فتواصل مع موظفين سابقين وأطباء وخبراء ومرضى، وراجع وثائق وبيانات داخلية تتعلق بأداء أجهزة الشركة ونتائج فحوصها.

وأصبح تايلر شولتز وإريكا تشيونغ من أبرز المصادر التي ساعدته على فهم الفجوة الكبيرة بين الصورة التي قدمتها الشركة للعالم وحقيقة تقنيتها.

وكشفت الشهادات والوثائق أن «ثيرانوس» لم تكن تستخدم أجهزتها الخاصة في معظم الفحوص، بل استعانت بأجهزة مخبرية تقليدية من شركات أخرى، وقامت بتعديل بعض إجراءاتها للتعامل مع العينات الصغيرة.

وأظهرت المعلومات أن جهاز الشركة لم يكن يؤدي الاختبارات بالدقة التي روجت لها، وأن بعض المرضى تلقوا نتائج خاطئة أثارت مخاوف حقيقية بشأن تأثيرها في القرارات الطبية وصحة المرضى.

وفي 15 أكتوبر 2015، نشرت الصحيفة تقريراً حمل عنوان «تقنية ثيرانوس لفحص الدم موضع شك»، وكشف أن الشركة لا تستخدم أجهزتها المبتكرة في معظم الفحوص، بل تعتمد على أجهزة مخبرية تقليدية، وأن نتائج بعض الاختبارات شابها قدر من عدم الدقة، مستنداً إلى شهادات موظفين سابقين ووثائق داخلية.

وأعقب ذلك تقرير بعنوان «ثيرانوس تواجه تحقيقاً من الجهات التنظيمية بشأن مختبرها»، ثم تقرير «الجهات التنظيمية تقترح حظر إليزابيث هولمز من إدارة المختبرات»، إضافة إلى تقارير متتابعة تناولت انسحاب شركاء الشركة، وفتح تحقيقات جنائية، وتراجع قيمة «ثيرانوس»، وصولاً إلى انهيارها الكامل.

وشكلت صحيفة «وول ستريت جورنال» نقطة التحول الحاسمة في كشف حقيقة شركة «ثيرانوس»، عبر سلسلة من التحقيقات الاستقصائية التي قادها الصحفي جون كاريرو، بالاعتماد على مصادر متعددة، وشهادات من موظفين سابقين، ووثائق تنظيمية ومراجعات علمية، لتصبح القضية لاحقاً نموذجاً بارزاً في الصحافة الاستقصائية.

وتوج جون كاريرو جهوده لاحقاً بكتاب «الدم الفاسد: أسرار وأكاذيب في شركة ناشئة من وادي السيليكون»، الذي وثق بالتفصيل كواليس التحقيق وسقوط «ثيرانوس».

 

ضغوط وتهديدات

عندما علمت «ثيرانوس» بالتحقيق، حاولت منع نشره مستخدمة نفوذها القانوني والمالي، ومارست الشركة ضغوطاً على المصادر، ولوحت بمقاضاتهم بتهمة كشف أسرارها التجارية، واستعانت بمحامين لمواجهة الصحيفة والتشكيك في المعلومات التي جمعها كاريرو.

فوجد المبلّغون عن المخالفات أنفسهم أمام شركة تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، مدعومة بمجلس إدارة يضم أسماء سياسية وعسكرية بارزة. وتعرض تايلر شولتز لضغوط قاسية، إلا أنه تمسك بشهادته، مؤكداً أن هدفه كان حماية المرضى وكشف حقيقة التقنية.

ورغم محاولات الترهيب، واصلت «وول ستريت جورنال» التحقق من الأدلة، ورفضت التراجع أمام الضغوط.

 

ما بعد النشر

حاولت هولمز في البداية نفي الاتهامات والدفاع عن الشركة، لكن الصحيفة واصلت نشر تحقيقات متتابعة مدعومة بشهادات ووثائق جديدة، فتحولت القصة من تقرير صحفي إلى قضية رأي عام.

وأحدث التحقيق صدمة واسعة؛ فالشركة التي قُدمت لسنوات باعتبارها مستقبل الطب أصبحت مطالبة بإثبات صحة تقنيتها والرد على أسئلة تتعلق بسلامة المرضى ومصداقية بياناتها.

لاحقاً، أسهمت هذه التحقيقات في زيادة التدقيق من جانب الهيئات الرقابية الأمريكية، ولفتت انتباه المستثمرين والرأي العام إلى حجم التضليل، لتتحول القضية إلى واحدة من أبرز الأمثلة الحديثة على قوة الصحافة الاستقصائية في كشف الاحتيال وحماية المصلحة العامة.

 

انهيار الواجهة

دفعت التحقيقات الصحفية، إلى جانب الشكاوى والمعلومات التي قدمها موظفون وجهات أخرى، الهيئات الرقابية الأمريكية إلى التدقيق في مختبرات الشركة وممارساتها. وكشفت عمليات التفتيش عن مخالفات ومشكلات تهدد سلامة المرضى، فيما بدأت الشراكات التجارية التي بنت عليها «ثيرانوس» توسعها، في الانهيار.

وأغلقت «وول غرينز» مراكز الفحص التابعة للشركة، وفقدت «ثيرانوس» قدرتها على تشغيل مختبراتها، وبدأ المستثمرون والمرضى في رفع دعاوى قضائية ضدها.

وفي عام 2018، اتهمت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية هولمز ورئيس الشركة السابق راميش «صني» بالواني بجمع أكثر من 700 مليون دولار من المستثمرين من خلال ادعاءات كاذبة ومبالغ فيها حول تقنية الشركة وأعمالها وأدائها المالي. وفي العام نفسه، أوقفت «ثيرانوس» نشاطها وبدأت إجراءات حلها رسمياً.

 

أمام القضاء

لم يتوقف أثر التحقيق عند انهيار الشركة، بل انتقلت القضية إلى المحاكم. وفي يناير 2022، أُدينت إليزابيث هولمز بتهمة التآمر وثلاث تهم بالاحتيال الإلكتروني

على المستثمرين.

وفي نوفمبر من العام نفسه، حُكم عليها بالسجن 11 عاماً وثلاثة أشهر، بعدما خلص القضاء إلى أنها ضللت المستثمرين بشأن قدرات تقنية «ثيرانوس» ووضع الشركة المالي والتجاري.

وتحولت هولمز من أصغر مليارديرة عصامية تحتفي بها المجلات إلى مدانة بالاحتيال، وسقطت الشركة التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات أمام سلسلة من التحقيقات والأدلة التي بدأت بمعلومات وشكوك لم يتجاهلها صحفي.

 

صحيفة الجارديان

سلطت صحيفة «الجارديان» الضوء على قضية «ثيرانوس» من زاوية تحليلية واستقصائية، مركزة على أبعادها الأخلاقية والإعلامية والقضائية، وكيف تحولت الشركة من نموذج يُحتذى به في الابتكار إلى واحدة من أبرز قضايا الاحتيال في قطاع التكنولوجيا الصحية.

وواكبت الصحيفة مجريات المحاكمة منذ انطلاقها وحتى صدور الأحكام، من خلال سلسلة من التقارير حملت عناوين بارزة، من بينها «إليزابيث هولمز: من أيقونة وادي السيليكون إلى رئيسة تنفيذية بيد القضاء»، وتقرير آخر بعنوان «محاكمة إليزابيث هولمز: هيئة المحلفين تبدأ مداولاتها»، و«الحكم على مؤسسة ثيرانوس إليزابيث هولمز بالسجن أكثر من 11 عاماً بتهمة الاحتيال على المستثمرين».

إلى جانب تقرير تحليلي بعنوان «الناس أرادوا تصديق الحكاية الخيالية: سقوط إليزابيث هولمز». ومن خلال هذه التغطيات، أبرزت «الغارديان» أهمية الصحافة الاستقصائية في كشف الحقيقة، وناقشت مسؤولية وسائل الإعلام في التحقق من ادعاءات الشركات الناشئة وعدم الانسياق وراء الصورة الإعلامية التي تصنعها لنفسها، معتبرة أن قضية «ثيرانوس» أصبحت درساً عالمياً في المساءلة والشفافية وأخلاقيات الصحافة.

 

مجلة فورتشن

كانت مجلة «فورتشن» من أوائل المنصات الإعلامية التي سلطت الضوء على شركة «ثيرانوس» ومؤسستها إليزابيث هولمز، إذ منحتها غلافاً رئيسياً عام 2014، وقدمتها بوصفها رائدة ستحدث ثورة في قطاع الرعاية الصحية.

لكن بعد انكشاف الحقائق، تبنت المجلة مراجعة نقدية لتغطيتها السابقة، ونشرت تقريراً بعنوان «هل ضللت ثيرانوس مجلة فورتشن؟»، واعترفت فيه بأن الشركة قدمت معلومات مضللة أسهمت في بناء صورة غير دقيقة عن تقنيتها.

وتابعت المجلة تطورات القضية عبر تقارير عدة، من أبرزها «صعود وسقوط إليزابيث هولمز»، بالإضافة إلى تقرير تحت عنوان «قصة فوضى ثيرانوس: تسلسل زمني»، ومقال بعنوان «دفاعاً عن الضجة الإعلامية»، ناقش حدود التغطية الإعلامية للشركات الناشئة ومسؤولية الصحافة في التحقق من ادعاءاتها.

وعكست هذه التغطيات تحول مجلة «فورتشن» من الترويج لنجاح الشركة إلى ممارسة النقد الذاتي، في نموذج يبرز أهمية المراجعة المهنية والشفافية في العمل الصحفي.

 

مجلة فوربس

حظيت شركة «ثيرانوس» ومؤسستها إليزابيث هولمز باهتمام واسع من مجلة «فوربس»، التي نشرت عام 2014 تقريراً بعنوان «أغنى النساء العصاميات في أمريكا»، وقدرت فيه ثروة هولمز بنحو 4.5 مليار دولار، ووصفتها بأنها أصغر مليارديرة عصامية في العالم آنذاك.

غير أن المجلة أعادت تقييم موقفها بعد بدء التحقيقات وكشف التناقضات في ادعاءات الشركة، وخفضت قيمة ثروتها إلى الصفر في تقرير «فوربس تخفض القيمة التقديرية لثروة مؤسسة ثيرانوس إليزابيث هولمز إلى الصفر».

وواصلت المجلة تغطية تطورات القضية والمحاكمة وتحليل آثارها على قطاع الشركات الناشئة والاستثمار، لتصبح تغطيتها مثالاً على التحول من الاحتفاء بقصة نجاح استثنائية إلى مراجعة دقيقة للحقائق في ضوء الأدلة الجديدة، بما يعكس أهمية التحقق المستمر وعدم الاكتفاء بالروايات التسويقية للشركات.

 

صحافة تواجه النفوذ

لم تكشف قضية «ثيرانوس» فشل تقنية طبية فحسب، بل كشفت أيضاً خطورة الانبهار بقصص النجاح دون إخضاعها للتحقق والمساءلة.

فقد نجحت الشركة لسنوات في بناء صورتها اعتماداً على السرية والنفوذ والعلاقات العامة، بينما كانت وسائل إعلام عديدة تكرر روايتها من دون فحص مستقل لادعاءاتها. لكن تحقيقاً استقصائياً استند إلى الوثائق والمصادر والتحقق المتواصل، استطاع اختراق هذه الصورة وكشف ما وراءها.

وأثبت جون كاريرو والمبلّغون الذين تعاونوا معه أن الصحافة قادرة على مواجهة شركات بمليارات الدولارات، وحماية حق الجمهور في المعرفة، وفتح الطريق أمام الجهات الرقابية والقضائية للتحرك.

لم تكن الصحافة في هذه القضية مجرد ناقل لما حدث، بل كانت عاملاً حاسماً في كشف الخداع، وأسهمت في تسليط الضوء على القضية ودفعها إلى دائرة الرقابة العامة والقضائية.

وبفضل تحقيق استقصائي تمسك بالأدلة في مواجهة الضغوط، سقطت إمبراطورية بُنيت على وعود زائفة.

 

وهكذا، بقيت قصة «ثيرانوس» شاهداً على أن قوة الشركات ونفوذها قد يؤخران ظهور الحقيقة، لكنهما لا يستطيعان منعها عندما تؤدي الصحافة الحرة دورها في التحقيق والكشف والمساءلة.

المركز القطرى للصحافة
جرائم ضد الصحفيين حول العالم ١٩ مارس ٢٠٢٤, ٠٧:٠٠ص

أكدت دولة قطر مسؤولية الدول...

المركز القطرى للصحافة
نساء غزة في يوم الأم العالمي.. شهيدات وأرامل وثَكَالَى ٢١ مارس ٢٠٢٤, ١٠:٠٠ص

تستقبل نساء غزة يوم الأم...

المركز القطرى للصحافة
كتائب إلكترونية لتخوين الصحفيين في غزة ٠٦ أبريل ٢٠٢٤, ٠٨:٠٠ص

تواصل الآلة الإعلامية الإسرائيلية حربها...