This is a notification message.
تتزايد الضغوط على الصحفيين العاملين في جنوب سوريا، في ظل توالي حوادث الملاحقة والاحتجاز وإطلاق النار ومصادرة معدات التصوير، بالتزامن مع التوغلات والتحركات العسكرية الإسرائيلية في محافظتي القنيطرة ودرعا.
وفي أحدث الوقائع، لاحقت طائرة مسيّرة إسرائيلية مجموعة من الصحفيين في ريف القنيطرة الجنوبي، أثناء محاولتهم توثيق أعمال تجريف وحفر خنادق وإقامة سواتر ترابية ضمن المشروع المعروف باسم «سوفا 53».
وبحسب تقارير ميدانية، حلّقت الطائرة المسيّرة فوق الفريق الصحفي وتابعته لمسافة طويلة، ما دفع أفراده إلى وقف التصوير وإنهاء مهمتهم. وتمكن أحد أعضاء الفريق من توثيق جانب من عملية الملاحقة بكاميرته.
وتشير التقارير إلى أن تلك الحادثة هي الثالثة من نوعها في المنطقة، في وقت تتواصل فيه التحركات والتوغلات العسكرية الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا، وسط محاولات لمنع توثيق أعمال الحفر والتجريف والتحركات العسكرية.
وتأتي الواقعة بالتزامن مع استئناف أعمال مشروع «سوفا 53»، الذي يتضمن، وفق تقارير إعلامية، شق طريق عسكري تدعمه سواتر ترابية، إلى جانب حفر خنادق وإنشاء نقاط مراقبة. وتحدثت مصادر محلية عن احتمال تأثر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وحرمان أصحابها من الوصول إليها.
سلسلة الانتهاكات
وخلال الفترة الممتدة من أواخر عام 2024 حتى أكتوبر 2026، تعرض صحفيون وإعلاميون سوريون وأجانب، وفق تقارير صحفية وحقوقية وإفادات ميدانية، لسلسلة من الاعتداءات والمضايقات في محافظتي القنيطرة ودرعا، أثناء تغطيتهم التوغلات والتحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا.
وتنوعت الوقائع المبلغ عنها بين إطلاق النار والملاحقة بالطائرات المسيّرة والآليات العسكرية، والاحتجاز والاستجواب، ومصادرة معدات التصوير أو تحطيمها، وإجبار صحفيين على حذف مواد مصورة، فضلاً عن مداهمة منازل صحفيين واحتجازهم خارج مواقع التغطية.
وتشير تقارير صحفية وحقوقية إلى أن ملاحقة الفرق الصحفية بالطائرات المسيّرة تكررت ثلاث مرات في المنطقة نفسها، مؤكدةً أن ذلك يرتبط بمحاولات الحد من توثيق التحركات العسكرية وأعمال الحفر والتجريف.
وكان المركز القطري للصحافة قد سلط الضوء، في تقرير نشره في أغسطس الماضي، على ممارسات الجيش الإسرائيلي بحق الصحفيين في جنوب سوريا، وما يتعرضون له من مطاردات واحتجاز وترهيب بإطلاق النار.
ففي 28 يونيو 2026، أطلقت القوات الإسرائيلية النار باتجاه فريق من قناة «الإخبارية السورية» أثناء تغطيته توغلاً عسكرياً في قرية عابدين بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي.
وكان الفريق يوثق التحركات العسكرية من منطقة مرتفعة عندما تعرض لإطلاق النار. وظهر أحد المراسلين في مقطع مصور مرتدياً سترة صحفية ويحمل ميكروفوناً، وفق ما نقله الاتحاد الدولي للصحفيين.
وأدان الاتحاد الدولي للصحفيين، بالتعاون مع اتحاد الصحفيين السوريين، استهداف الطاقم، ودعا إلى إجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداء، معتبراً أن إطلاق النار على صحفيين أثناء أداء عملهم يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني.
مطاردة واحتجاز
وفي يونيو 2025، طاردت آليات عسكرية إسرائيلية الصحفيين نادر دابو وعبدالله الحسن أثناء تغطيتهما آثار سقوط حطام طائرة مسيّرة إيرانية في ريف القنيطرة.
وبحسب إفادتهما، استمرت المطاردة أكثر من نصف ساعة عبر منطقة جبلية، قبل أن توقف القوات الإسرائيلية سيارتهما وتستجوبهما ميدانياً. وقبل وصول الدورية، أخفى الصحفيان كاميراتهما ومعداتهما خشية مصادرتها أو تدميرها.
إطلاق نار
وقال الصحفي أنور عصفور إنه تعرض لإطلاق نار في قرية كودنة بريف القنيطرة أثناء توثيقه أوضاع المدنيين، موضحاً أنه كان يرتدي سترة صحفية واضحة، ورغم ذلك أطلقت القوات الإسرائيلية النار بالقرب منه.
وأفاد الصحفيان طلال صياح وأحمد الخريوش، العاملان مع مجموعة «أحرار حوران» الإعلامية، بأنهما تعرضا لإطلاق نار وتهديد أثناء تصوير محطة مياه متضررة في القرية، ما اضطرهما إلى مغادرة الموقع قبل استكمال التقرير.
توقيف ومصادرة
وفي 9 مايو 2025، أوقفت القوات الإسرائيلية فريقاً تابعاً لـ«بي بي سي عربي» أثناء تصويره قرب مرتفعات الجولان المحتلة.
وبحسب إفادات نقلتها لجنة حماية الصحفيين، حاصر الجنود أفراد الفريق تحت تهديد السلاح، وصادروا معداتهم واقتادوهم إلى نقطة تفتيش. وتحدث أفراد الفريق عن تقييد بعضهم وتعصيب أعينهم واستجوابهم، إلى جانب حذف صور وبيانات شخصية من أجهزتهم.
وفي 8 يناير 2025، أوقفت القوات الإسرائيلية الصحفي الفرنسي سيلفان ميركاديه، والمحامي السوري محمد فياض، والصحفي المستقل يوسف غريبي في قرية الرفيد بريف القنيطرة، أثناء تغطيتهم التوسع العسكري قرب الجولان.
ووفق الإفادات المنشورة، طُلب من ميركاديه حذف تسجيلاته، وصودر حاسوبه المحمول، فيما أُلقي القبض على فياض بعد اعتراضه على الإجراءات.
مداهمات للمنازل
ولم تقتصر المضايقات، وفق التقارير المتاحة، على مواقع التغطية، بل امتدت إلى أماكن إقامة الصحفيين.
فقد داهمت قوات إسرائيلية منزل محمد فهد، مراسل «تلفزيون سوريا» في القنيطرة، واحتجزته وأخضعته للتحقيق لساعات. وذكرت الشبكة أن المداهمة جرت ليلاً وترافقت مع ترويع أفراد أسرته.
وأوردت تقارير أخرى تعرض منزل الصحفي سند عايد الحمد، عضو اتحاد الصحفيين السوريين في بلدة صيدا الجولان، للمداهمة وخضوعه للتحقيق خلال يونيو 2026.
وتثير هذه الوقائع مخاوف من اتساع نطاق الضغط على الصحفيين، بحيث لا يقتصر على تعطيل عملهم الميداني، بل يمتد إلى حياتهم الخاصة وأسرهم، بما قد يدفع بعضهم إلى تقليص التغطية أو ممارسة رقابة ذاتية خشية الانتقام.
أشكال التضييق
تتعدد أشكال التضييق على الصحفيين في جنوب سوريا، وتتدرج من الملاحقة الجوية بالطائرات المسيّرة، التي تعطل عمليات التصوير وتجبر الفرق الصحفية على مغادرة مواقع التغطية، إلى التهديد المسلح وإطلاق النار، بما يفرض أجواءً من الترهيب تحول دون استكمال التغطيات الميدانية.
وتشمل الانتهاكات المبلغ عنها التوقيف والاستجواب الميداني، وما يترتب عليهما من تعطيل عمل الصحفيين والضغط عليهم، فضلاً عن مصادرة معدات التصوير أو تحطيمها وحذف المواد الموثقة، بما يحرم الصحفيين من جزء من أدواتهم وموادهم التوثيقية.
وامتد نطاق التضييق، وفق التقارير المتاحة، إلى ما وراء مواقع التغطية، ليشمل مداهمة منازل الصحفيين واحتجازهم خارج الميدان، بما يثير مخاوف متزايدة على سلامتهم الشخصية وأمن أسرهم، ويزيد الضغوط التي قد تدفع بعضهم إلى تقليص نطاق تغطيته أو ممارسة الرقابة الذاتية.
وبذلك، لا يقتصر التضييق على تعطيل الصحفي في موقع الحدث، بل يمتد إلى مختلف مراحل العمل الصحفي، من الوصول إلى مناطق التغطية والتصوير، إلى حفظ المواد ونشرها، وصولاً إلى الضغط على الصحفي بعد عودته إلى منزله.
الإطار القانوني
ينص قرار مجلس الأمن رقم 2222، الصادر في 27 مايو 2015، على حماية الصحفيين والإعلاميين والعاملين المرتبطين بهم أثناء النزاعات المسلحة، ويؤكد معاملتهم كمدنيين ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية. ويشدد القرار على حماية معداتهم ومنشآتهم الإعلامية واحترام استقلالهم المهني.
وبموجب المبادئ العامة للقانون الدولي الإنساني، لا يجوز استهداف الصحفيين المدنيين بسبب أدائهم عملهم، كما لا يجوز تهديدهم أو احتجازهم تعسفياً أو إجبارهم على حذف المواد التي يوثقونها. وتلزم القواعد ذات الصلة الأطراف المعنية بالتحقيق في الاعتداءات المبلغ عنها ومحاسبة المسؤولين عنها.
إدانات ودعوات
وأدان اتحاد الصحفيين السوريين الاعتداءات التي تعرض لها الصحفيون في القنيطرة ودرعا، معتبراً أن استهداف الإعلاميين يهدف إلى منع توثيق الأحداث ونقلها إلى الرأي العام.
وأدان الاتحاد الدولي للصحفيين إطلاق النار على فريق «الإخبارية السورية» واستهداف الصحفيين أثناء أداء عملهم، داعياً إلى إجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات.
وتأتي هذه الإدانات في ظل مخاوف من استمرار الإفلات من العقاب، ومن تحول الاعتداءات على الصحفيين إلى وسيلة للحد من الوصول إلى المعلومات المستقلة بشأن التوغلات والتحركات العسكرية في جنوب سوريا.
وتشير الوقائع المتاحة إلى نمط متصاعد من التضييق على الصحفيين في جنوب سوريا، يتراوح بين الملاحقة الجوية وإطلاق النار والاحتجاز ومصادرة المعدات، ويمتد في بعض الحالات إلى مداهمة المنازل والضغط على الصحفيين خارج مواقع العمل.
وتبرز هذه الوقائع الحاجة إلى توفير حماية فعلية للصحفيين، وإجراء تحقيقات مستقلة في الاعتداءات المبلغ عنها، وضمان عدم مصادرة معداتهم أو حذف موادهم، إلى جانب توفير آليات آمنة للإبلاغ عن الانتهاكات ومتابعتها.
ويهدد استمرار هذه الممارسات، في حال عدم محاسبة المسؤولين عنها، سلامة الصحفيين وحق الجمهور في المعرفة، ويقوّض قدرة وسائل الإعلام على نقل صورة مستقلة عن التطورات الجارية في القنيطرة ودرعا.
تستقبل نساء غزة يوم الأم...
تواصل الآلة الإعلامية الإسرائيلية حربها...