This is a notification message.
يواصل المركز القطري للصحافة تقديم سلسلة «الصحافة مرآة الحقيقة»، التي تسلط الضوء على الدور المحوري للصحافة في كشف الملفات الشائكة والوثائق السرية، وما تتضمنه من تفاصيل دقيقة تكشف كواليس السياسات والقرارات التي أسهمت في تغيير مسار أحداث عالمية مفصلية.
وتتناول السلسلة محطات تاريخية بارزة اضطلعت فيها الصحافة الحرة بدور شجاع في كشف التجاوزات وممارسات السلطة، وتعزيز قيم الشفافية والمساءلة، وإبراز أهمية الإعلام في توثيق الحقائق وحماية الرأي العام.
وتستعرض السلسلة أيضاً نماذج تاريخية كشفت فيها الكلمة الحرة المستور، وأثبتت أن الصحافة ليست مجرد ناقل للأخبار، بل قوة فاعلة تسهم في إعادة التوازن بين الحقيقة والسلطة، وترسيخ حق المجتمع في المعرفة.
في هذه الحلقة، نستعرض كيف أثبتت "أوراق بنما" قدرة الصحافة الاستقصائية على اختراق جدران السرية، وتتبع شبكات المال والنفوذ، ونشر ملايين الوثائق المسرّبة، لتكشف للرأي العام ما ظلّ خفياً لسنوات.
في الثالث من أبريل عام 2016، استيقظ العالم على واحد من أضخم التحقيقات الاستقصائية العابرة للحدود في تاريخ الصحافة؛ إذ بدأت مؤسسات إعلامية في عشرات الدول، نشر نتائج فحص ملايين الوثائق الداخلية المسرّبة من مكتب المحاماة البنمي "موساك فونسيكا"، المتخصص في تأسيس الشركات الخارجية وإدارتها.
لم تكن الوثائق مجرد قائمة بأسماء أثرياء، بل مثّلت خريطة واسعة لعالم يعمل بعيداً عن أنظار الجمهور؛ إذ كشفت عن شركات واجهة، ووسطاء، وحسابات مالية، ووثائق تأسيس، ورسائل بريد إلكتروني، أوضحت كيف يمكن للسرية المالية أن تخفي المالك الحقيقي للأصول، وتفصل بين المال وصاحبه عبر طبقات متعاقبة من الكيانات القانونية.
حمل التحقيق اسم "أوراق بنما"، لكنه تجاوز حدود بنما منذ اللحظة الأولى؛ إذ امتدت خيوطه إلى أكثر من 200 دولة وإقليم، ووضع الصحافة أمام اختبار بالغ التعقيد: كيف يمكن تحويل 11.5 مليون ملف إلى قصص استقصائية موثقة يفهمها الجمهور، من دون الوقوع في التعميم أو اعتبار كل نشاط مالي خارجي جريمة؟
رسالة مجهولة
بدأت القصة مطلع عام 2015، عندما تلقى صحفي ألماني في صحيفة "زود دويتشه تسايتونج" رسالة مقتضبة من مصدر مجهول عرض عليه تزويده بوثائق داخلية، مشترطاً عدم الكشف عن هويته أو إجراء أي لقاء شخصي.
وواصل المصدر، الذي عُرف لاحقاً باسم "جون دو"، إرسال البيانات على دفعات، حتى بلغ حجم الملفات نحو 2.6 تيرابايت، غطّت قرابة أربعة عقود من أعمال "موساك فونسيكا"، امتدت من عام 1977 حتى نهاية عام 2015.
حينها أدرك الصحفيون الألمان أن فحص هذه الكمية الهائلة من الوثائق يتجاوز قدرة غرفة أخبار واحدة، وأن القيمة الحقيقية لهذه الوثائق لن تتجلى إلا إذا تولّى صحفيون في كل دولة تتبع الأسماء والشركات وربطها بالسجلات المحلية.
لذلك، قررت الصحيفة مشاركة البيانات مع "الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين"، لتبدأ أكبر عملية تعاون صحفي عرفها العالم آنذاك.
غرفة أخبار عالمية
على مدى عام كامل، عمل أكثر من 370 صحفياً من نحو 80 دولة، يمثلون صحيفة "زود دويتشه تسايتونج"، و"بي بي سي"، و"الجارديان"، و"لوموند"، و"ميامي هيرالد"، و"مكلاتشي"، إلى جانب مؤسسات إعلامية شريكة أخرى، ضمن غرفة أخبار افتراضية واحدة.
وكان التحدي الأول تقنياً؛ إذ ضمّت البيانات ملايين الرسائل الإلكترونية، وجوازات السفر، والعقود، وكشوف الحسابات، والصور، والجداول، والوثائق الممسوحة ضوئياً.
وتولّى فريق البيانات في "الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين" فهرسة تلك المواد وتحويلها إلى قاعدة بيانات قابلة للبحث، ثم أتاحها للصحفيين عبر منصات مشفّرة، مدعومة بأدوات تربط بين الأشخاص، والشركات والعناوين والوسطاء.
أما التحدي الثاني فكان صحفياً وأخلاقياً؛ إذ لم يكن ظهور اسم في إحدى الوثائق كافياً للنشر، بل كان على الفرق الصحفية مقارنة المعلومات بسجلات الشركات والمحاكم والإفصاحات الرسمية، وتتبع الملكية الفعلية، وطلب الردود من الأشخاص والمؤسسات المعنية. واتفق الشركاء على موعد موحد للنشر، وحافظوا على سرية المشروع رغم اتساع دائرة المشاركين فيه.
لحظة النشر
في الساعة الثانية بعد ظهر الثالث من أبريل عام 2016، بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، بدأ النشر المتزامن في أنحاء العالم. ظهرت القصص بلغات متعددة، لكن الرسالة كانت واحدة: السرية التي تحيط بصناعة الشركات الخارجية جعلت من الممكن إخفاء الملكية والثروة والمصالح عن أجهزة الرقابة والجمهور.
وكشفت الوثائق معلومات عن 214 ألفاً و488 كياناً خارجياً ارتبطت بأشخاص في أكثر من مئتي دولة وإقليم، وأظهرت صلات بشركات خارجية لأكثر من 140 سياسياً ومسؤولاً عاماً، بينهم قادة حاليون وسابقون.
ولم تنشر المؤسسات الإعلامية المشاركة جميع الملفات بلا تمييز؛ إذ ركزت على الوقائع ذات المصلحة العامة، وحجبت كثيراً من البيانات الشخصية التي لا تخدم التحقيق. وكان ذلك فارقاً جوهرياً بين نشر الوثائق المسرّبة بصورة عشوائية، وبين العمل الصحفي الذي يفحص الأدلة، ويضعها في سياقها، ويتحمل مسؤولية ما ينشره.
عالم الأوفشور
أوضحت "أوراق بنما" للجمهور آلية عمل الشركات الخارجية، أو ما يُعرف بشركات "الأوفشور"، وهي كيانات تُسجَّل عادةً في دولة أو إقليم غير الدولة التي يقيم فيها مالكها أو يزاول فيها نشاطه. وقد تُستخدم هذه الشركات بصورة قانونية في الاستثمار، والتجارة الدولية، وإدارة الأصول، والتخطيط للتركات.
لكن الخطر يبدأ عندما تقترن هذه الشركات بدرجة عالية من السرية، وبمديرين اسميين، وهياكل ملكية معقدة تحجب هوية المستفيد الحقيقي. عندها قد تتحول الأداة القانونية إلى ستار لإخفاء تضارب المصالح، أو التهرب من الضرائب، أو الالتفاف على العقوبات، أو غسل عائدات الفساد والجريمة.
لذلك، حرص التحقيق على التمييز بين امتلاك شركة خارجية وارتكاب مخالفة قانونية. فمجرد ورود اسم شخص أو شركة في الوثائق لا يُعد دليلاً على ارتكاب فعل غير قانوني، لكنه قد يثير تساؤلات مشروعة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمسؤول عام أخفى مصلحة مالية، أو بشخص ارتبطت أمواله بتحقيقات أو قضايا منظورة.
"زود دويتشه تسايتونج"
كانت صحيفة "زود دويتشه تسايتونج" الألمانية نقطة البداية وحارسة المصدر، بعدما تلقى الصحفي باستيان أوبرماير، مطلع عام 2015، ملايين الوثائق الداخلية المسرّبة من مكتب «موساك فونسيكا» عبر مصدر مجهول عُرف باسم "جون دو"، وتولى أوبرماير، إلى جانب زميله فريدريك أوبرماير، استقبال البيانات وفحصها، ثم عملا مع فريق التحقيقات في الصحيفة على تحليل بنيتها والتحقق من أصالتها.
ولم تتعامل الصحيفة مع امتلاكها الحصري للوثائق باعتباره سبباً للاحتفاظ بالقصة، بل رأت أن التعاون هو السبيل الوحيد لفهمها على نحو شامل. وكان قرار مشاركة التسريب مع صحفيين من مؤسسات إعلامية أخرى تحولاً مهماً في مفهوم السبق الصحفي؛ إذ أصبحت قوة التحقيق تُقاس بمدى اتساع أثره ودقته، لا بانفراد مؤسسة واحدة بنشره.
وحافظت الصحيفة على سرية هوية المصدر، ورفضت اختزال التحقيق في ملاحقة الأسماء اللامعة، بل ركزت تغطيتها على بنية صناعة المال الخارجي، ودور الوسطاء والمصارف ومقدمي الخدمات في تأسيس الكيانات وإخفاء المالكين الحقيقيين.
وأمام ضخامة حجم البيانات، شاركت الصحيفة الوثائق مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، لتبدأ عملية تحليل استمرت عاماً كاملاً، بمشاركة مئات الصحفيين والمؤسسات الإعلامية من مختلف أنحاء العالم.
مشروع صحفي متكامل
بدأت الصحيفة نشر نتائج التحقيق إلكترونياً في الثالث من أبريل عام 2016، وأنشأت بوابة خاصة حملت عنوان "أوراق بنما.. أسرار المال القذر"، قبل أن تتصدر القضية عددها الورقي في اليوم التالي.
ولم تتعامل الصحيفة مع التسريب بوصفه مجرد قائمة بأسماء شخصيات نافذة، بل قدمته مشروعاً صحفياً متكاملاً جمع بين التحقيق الاستقصائي، وتحليل البيانات، والرسوم التفاعلية، وتتبع العلاقات بين الأشخاص، والشركات والمصارف والوسطاء.
واستهلت تغطيتها بتقرير حمل عنوان "هذا هو التسريب"، شرح حجم الوثائق، وآلية الحصول عليها، ومراحل فحصها. ثم نشرت تحقيقاً بعنوان "الشركة" تناول تاريخ "موساك فونسيكا" ونموذج عمله في تأسيس الشركات الخارجية، وتوفير المديرين الاسميين، وإخفاء المستفيدين الحقيقيين.
وقدمت مادة تفسيرية بعنوان "هكذا يعمل عالم الأوفشور"، أوضحت فيها آليات تأسيس الشركات الخارجية، وإدارة الحسابات السرية، وإخفاء هوية المالكين الحقيقيين.
وتوسعت الصحيفة في تغطية التحقيق عبر ملفات جغرافية وموضوعية، من أبرزها "شبكة السلطة" .
وخصصت تقارير لدور المصارف والوسطاء، حمل أبرزها عنوان "شركة واجهة، من فضلك"، وكشفت من خلاله استعانة أكثر من 500 مصرف حول العالم بخدمات "موساك فونسيكا". وإلى جانب ذلك، نشرت تحقيقات تناولت كرة القدم، وأجهزة الاستخبارات، وتجارة الأعمال الفنية، واختتمت الصورة العامة بتقرير بعنوان "أموال أصحاب السلطة: خيوط تصل إلى قمة الدولة"، استعرض ما كشفته الوثائق من صلات برؤساء دول وحكومات حاليين وسابقين.
اتحاد الصحفيين الاستقصائيين
قاد الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين عملية التنسيق بين المؤسسات الإعلامية المشاركة. ولم يقتصر دوره على جمع القصص بعد اكتمالها، بل تمثل في بناء منظومة عمل مشتركة تتيح للصحفي في دولة ما الاستفادة من اكتشافات زميله في دولة أخرى، وربط اسم محلي بشركة مسجلة على الجانب الآخر من العالم.
وعمل الصحفيون بـ25 لغة، وتبادلوا النتائج والأسئلة والوثائق عبر منصة آمنة. فإذا عثر فريق على وسيط مالي يتكرر اسمه، أمكن لبقية الشركاء تتبع نشاطه في بلدانهم، وإذا ظهرت شركة مرتبطة بشخصية عامة، تولى الصحفيون الأقرب إلى سجلاتها وسياقها السياسي التحقق من طبيعة هذا الارتباط ودلالاته.
نيويورك تايمز
واكبت صحيفة «نيويورك تايمز» الكشف عن «أوراق بنما» منذ انطلاق النشر العالمي في الثالث من أبريل عام 2016، وركزت تغطيتها في البداية على الأبعاد السياسية الدولية للتسريب، قبل أن تنتقل إلى شرح كيفية وصول الوثائق إلى الصحفيين، وتسليط الضوء على مكتب «موساك فونسيكا»، ثم تتبع العملاء الأمريكيين الذين استخدموا الشركات الخارجية لإخفاء ملايين الدولارات.
واستهلت الصحيفة تغطيتها بتقرير نُشر على موقعها الإلكتروني بعنوان «الملفات المسرّبة من مكتب محاماة بنمي تكشف حسابات خارجية مرتبطة بقادة عالميين»، قدم صورة عامة عن التسريب وما كشفه من صلات بين الشركات الخارجية ورؤساء دول، ومسؤولين، وشخصيات نافذة، مع التأكيد أن امتلاك شركة خارجية لا يعني، في حد ذاته، ارتكاب مخالفة قانونية.
وبعد يومين، نشرت الصحيفة تقريراً بعنوان «كيف قادت رسالة غامضة تقول: هل أنت مهتم بالبيانات؟ إلى أوراق بنما»، تناول البدايات الصحفية للقضية، منذ تواصل المصدر المجهول مع الصحفي الألماني باستيان أوبرماير، وصولاً إلى مشاركة البيانات مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، وتشكيل فريق عالمي لفحص ملايين الوثائق.
وتعمقت «نيويورك تايمز» في تاريخ المكتب البنمي من خلال تقرير بعنوان «تسريب أوراق بنما يسلط الضوء على مكتب محاماة تأسس على السرية»، استعرض نشأة «موساك فونسيكا»، وطبيعة خدماته، وشبكة فروعه ووسطائه، وكيف أصبحت السرية عنصراً أساسياً في نموذج عمله القائم على تأسيس الشركات الخارجية وإدارتها.
وفي مايو 2016، واصلت الصحيفة متابعة تطورات القضية بنشر تقرير بعنوان «مصدر أوراق بنما يعرض مساعدة المحققين إذا أُعفي من العقوبة». وجاء التقرير عقب نشر المصدر المجهول، المعروف باسم «جون دو»، بياناً شرح فيه دوافعه لتسريب الوثائق، وأبدى استعداده للتعاون مع السلطات، شريطة حصوله على الحماية القانونية.
أما أبرز إسهامات الصحيفة، فتمثلت في التحقيق الذي نُشر في يونيو عام 2016 تحت عنوان «أوراق بنما تكشف كيف أخفى عملاء أمريكيون أثرياء ملايين الدولارات في الخارج». ونقل هذا التحقيق القضية إلى الداخل الأمريكي، متتبعاً حالات استخدم فيها أثرياء ومستثمرون أمريكيون شركات وحسابات خارجية لإخفاء أصولهم أو حمايتها من السلطات، والدائنين، والنزاعات القانونية.
صحيفة الجارديان
شاركت صحيفة «الجارديان» البريطانية في التحقيق العالمي حول «أوراق بنما»، بعدما حصلت على الوثائق عبر الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، وعملت إلى جانب صحيفة «زود دويتشه تسايتونج» وشبكة واسعة من المؤسسات الإعلامية على تحليل البيانات والتحقق من الأسماء والشركات. وضمت غرفة أخبارها فريقاً من الصحفيين المتخصصين في الاقتصاد والسياسة والرياضة وتحليل البيانات، من بينهم جولييت غارسايد، وهولي وات، وديفيد بيغ، ولوك هاردينغ، وسايمون باورز.
وبدأت الصحيفة النشر مساء الثالث من أبريل عام 2016 بتقرير حمل عنوان «أوراق بنما: كيف يخفي أثرياء العالم ومشاهيره أموالهم في الخارج»، قدم مدخلاً عاماً للتحقيق، وكشف أن الوثائق تضمنت صلات بـ12 قائداً و143 سياسياً، وأفراد من أسرهم ومقربين منهم، إلى جانب رجال أعمال ورياضيين ومشاهير استخدموا شركات مسجلة في ملاذات ضريبية.
ورافقت الصحيفة الكشف بتقرير تفسيري بعنوان «ما أوراق بنما؟ دليل إلى أكبر تسريب للبيانات في التاريخ»، شرح طبيعة مكتب «موساك فونسيكا»، وحجم الوثائق، وطريقة عمل الشركات الخارجية، والأسباب القانونية والمشروعة لاستخدامها، مقابل ما تتيحه السرية من فرص لإخفاء الثروات والتهرب من الرقابة.
ثم نقلت «الجارديان» التحقيق إلى الداخل البريطاني، فنشرت تقريراً كشف أن إحدى الشخصيات السياسية أدارت صندوق «بليرمور هولدنغز» من جزر البهاما، مستعينة بمديرين محليين للحفاظ على وضعه خارج النظام الضريبي البريطاني. وتصدرت القصة النسخة الورقية الصادرة في الخامس من أبريل عام 2016.
مشاركة عربية
حضرت المؤسسات الإعلامية العربية في التحقيق العالمي حول «أوراق بنما» من خلال عدد محدود من الصحف والمنصات الاستقصائية، التي تولت فحص الوثائق وربطها بالسجلات والشخصيات المحلية.
وشاركت صحيفة «العالم الجديد» العراقية في تحليل الجانب العراقي من التسريبات، ونشرت تحقيقات كشفت صلات شخصيات سياسية ورجال أعمال عراقيين بشركات خارجية.
فيما ركزت منصة «إنكفاضة» التونسية على الأسماء والشركات المرتبطة بتونس، وقدمت تحقيقاتها مدعومة بالوثائق والرسوم التفاعلية، رغم تعرض موقعها لهجوم إلكتروني عقب النشر.
وفي المغرب، عملت صحيفة «Le Desk» الرقمية على تتبع الخيوط المحلية الواردة في البيانات، بينما تولت شبكة «أريج» دعم وتنسيق مشاركة الصحفيين العرب، بالتعاون مع «عمّان نت» و«راديو البلد».
ردود واسعة
خلال أيام من النشر، اندلعت احتجاجات، وداهمت السلطات مكاتب، وبدأ مدعون عامون وهيئات ضريبية تتبُّع الأموال والكيانات الواردة في التحقيق. وبمرور الوقت، أُطلقت تحقيقات في أكثر من 80 دولة، وأُدخلت تعديلات على بعض قوانين الشفافية والإفصاح عن المستفيد الحقيقي.
وفي عام 2018، أغلق مكتب «موساك فونسيكا» أبوابه، بعدما قال إن الضرر الذي لحق بسمعته والضغوط المالية جعلا استمراره غير ممكن. لكن إغلاق المكتب لم يُنهِ النظام الذي كشفت عنه الوثائق؛ فصناعة الشركات الخارجية أوسع من مؤسسة واحدة، وما زالت تعتمد على شبكة من المحامين والمحاسبين والمصارف والوسطاء والولايات القضائية التي تتيح درجات مختلفة من السرية.
وأظهر قياس الأثر المعلن للتحقيق أن الحكومات استعادت أكثر من 1.3 مليار دولار من الضرائب والغرامات والعقوبات المرتبطة بتحقيقات أثارتها «أوراق بنما»، مع استمرار قضايا ومراجعات لسنوات بعد النشر.
ثمن الحقيقة
لم يكن التحقيق خالياً من المخاطر؛ فقد واجه صحفيون مشاركون ضغوطاً قانونية وسياسية، وأعادت القضية التذكير بأن كشف شبكات المال والنفوذ قد يعرّض الصحفيين للتهديد.
وعند الحديث عن ثمن الحقيقة، يبرز اسم الصحفية المالطية دافني كاروانا غاليزيا، التي تابعت ملفات الفساد والشركات الخارجية في بلادها، واستند جانب من عملها إلى وثائق بنما. وقد اغتيلت بتفجير سيارتها في أكتوبر 2017، فتحولت قضيتها إلى رمز عالمي للمخاطر التي يواجهها الصحفيون عندما يقتربون من المصالح السياسية والمالية النافذة.
وأعاد اغتيالها طرح سؤال يتجاوز الوثائق ذاتها: هل تكفي قدرة الصحافة على كشف الحقيقة إذا لم تتوافر للصحفيين الحماية، ولم تتحرك المؤسسات لمحاسبة من تكشفهم التحقيقات؟
وبعد مرور سنوات، لم تعد أهمية «أوراق بنما» محصورة في الأسماء التي تصدرت العناوين؛ فقد غيّر التحقيق اللغة التي يناقش بها الجمهور عالم المال الخارجي، وجعل مصطلحات مثل «المستفيد الحقيقي» و«الشركة الوهمية» و«الملاذ الضريبي» جزءاً من النقاش العام حول العدالة والشفافية.
تستقبل نساء غزة يوم الأم...
تواصل الآلة الإعلامية الإسرائيلية حربها...