This is a notification message.
دخلت المواجهة بين السلطات الإسرائيلية ووسائل الإعلام مرحلة جديدة، اتسعت فيها دائرة الاستهداف من التحريض اللفظي والملاحقة الميدانية إلى الحظر التشريعي والإغلاق القسري، بالتوازي مع محاولات تقييد الوصول إلى المحتوى الصحفي عبر المنصات الرقمية.
ويكشف تتبع الإجراءات الإسرائيلية خلال السنوات الماضية عن تصاعد القيود المفروضة على العمل الإعلامي، وفي مقدمتها الإجراءات التي استهدفت شبكة الجزيرة الإعلامية، وسط تحذيرات من تداعياتها على حرية الصحافة وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
وتجلّت حدة هذا الخطاب في أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث صعّد مسؤولون إسرائيليون هجماتهم على وسائل إعلام دولية، من بينها شبكة الجزيرة ومؤسسات صحفية عريقة مثل «بي بي سي» و«رويترز» و«أسوشيتد برس».
وبلغ التصعيد ذروته عندما وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شبكة الجزيرة بأنها وسيلة إعلام «سامة»، في تصريحات أثارت انتقادات بشأن استهداف المؤسسات الإعلامية من منبر دولي.
ورفضت شبكة الجزيرة هذه الاتهامات، مؤكدة أن التحريض ضدها يعرّض صحفييها ومراسليها في الميدان لمخاطر مباشرة، وقد يوفر غطاءً لتصعيد الإجراءات ضد طواقمها ومؤسساتها.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من القيود المفروضة على التغطية الإعلامية للحرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما تثيره من تساؤلات بشأن قدرة الصحفيين على أداء مهامهم باستقلالية وأمان.
استهداف يتجاوز الجزيرة
بحسب تقرير استقصائي نشرته صحيفة «القدس العربي»، لم تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على شبكة الجزيرة، بل امتدت آثارها إلى مؤسسات ووكالات أنباء دولية، في ظل حوادث شملت احتجاز صحفيين وتهديد طواقم إعلامية واستهداف مقار صحفية.
ويبرز في هذا السياق قصف برج الجلاء في قطاع غزة عام 2021، وهو المبنى الذي كان يضم مكاتب لوسائل إعلام دولية، من بينها وكالة «أسوشيتد برس» ومؤسسات إعلامية أخرى.
وأثار استهداف المبنى مخاوف واسعة بشأن سلامة الصحفيين وحماية المنشآت الإعلامية خلال النزاعات المسلحة، فيما بررت إسرائيل الهجوم بادعاءات تتعلق باستخدام المبنى من قبل فصائل فلسطينية، وهي ادعاءات أثارت اعتراضات وتساؤلات بشأن الأدلة المقدمة وطبيعة الأهداف المستهدفة.
تدمير المكاتب الإعلامية
شكّلت حوادث استهداف الصحفيين والمقار الإعلامية محطات بارزة في سجل المخاطر التي تواجه العمل الصحفي في المنطقة.
ففي مايو 2021، استهدفت غارة إسرائيلية برج الجلاء في غزة، ما أدى إلى تدمير المبنى الذي كان يضم مكاتب إعلامية دولية، وأثار إدانات ومطالبات بتوفير ضمانات لحماية المؤسسات الصحفية.
وفي مايو 2022، قُتلت مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة برصاص القوات الإسرائيلية أثناء تغطيتها اقتحام مخيم جنين في الضفة الغربية. وأصبحت الواقعة واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بسلامة الصحفيين ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات بحقهم، خصوصاً أن أبو عاقلة كانت ترتدي سترة الصحافة وخوذة واقيتين تحملان علامات واضحة تدل على طبيعة عملها.
وأشارت إسرائيل لاحقاً إلى احتمال أن تكون قد قُتلت بنيران جندي إسرائيلي، بعد تحقيقات وضغوط دولية طالبت بكشف ملابسات الحادثة ومحاسبة المسؤولين عنها.
وفي أكتوبر 2023، قُتل مصور وكالة «رويترز» عصام عبد الله في جنوب لبنان، وأُصيب صحفيون آخرون، بينهم أفراد من طاقم الجزيرة، خلال تغطية التطورات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.
وأعادت الحادثة تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه الفرق الإعلامية في مناطق الاشتباكات، وعلى ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في الوقائع التي يتعرض فيها الصحفيون للقتل أو الإصابة.
وفي أغسطس 2025، قُتل الصحفي أنس الشريف في غارة جوية إسرائيلية على قطاع غزة، بعد حملة اتهامات وتحريض استهدفته قبل مقتله.
وأثارت الحادثة انتقادات ومخاوف بشأن استخدام الاتهامات المسبقة ضد الصحفيين لتبرير استهدافهم، في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه التغطية المستقلة للحرب.
وارتفع عدد الصحفيين والإعلاميين الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023 إلى 263 صحفياً وإعلامياً، وفقاً لنقابة الصحفيين الفلسطينيين والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
وبحسب المعلومات الواردة في التقرير، قُتل 12 صحفياً من العاملين في شبكة الجزيرة خلال الحرب على غزة، في حصيلة تعكس حجم المخاطر التي تواجه طواقم الشبكة أثناء أداء مهامها الميدانية.
من التحريض إلى التشريع
لم تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على الاستهداف الميداني والخطاب العدائي، بل امتدت إلى المسار التشريعي، من خلال ما يُعرف بـ«قانون الجزيرة»، الذي منح السلطات صلاحيات لفرض قيود على وسائل إعلام، تشمل إغلاق المكاتب ومصادرة المعدات وحجب المواقع الإلكترونية، وفقاً للأحكام والإجراءات التي يتيحها القانون.
وفي ديسمبر 2025، أُقرّ تحويل التشريع من صيغة مؤقتة مرتبطة بالطوارئ إلى صيغة دائمة، بحسب ما أورده التقرير، في خطوة أثارت مخاوف بشأن استمرار القيود المفروضة على عمل المؤسسات الإعلامية، وتوسيع نطاق التدخل الحكومي في نشاطها.
ويرى منتقدو هذه الإجراءات أنها قد تفتح الباب أمام استخدام الاعتبارات الأمنية لتقييد التغطية الصحفية المستقلة، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالحرب والأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويثير هذا المسار تساؤلات بشأن الضمانات القانونية المتاحة لحماية حرية الإعلام، وحدود الصلاحيات الممنوحة للسلطات التنفيذية، ومدى توافق القيود المفروضة مع المعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير وحق الجمهور في المعرفة.
إغلاق ميداني وحصار رقمي
على الأرض، اقتحمت القوات الإسرائيلية مكتب شبكة الجزيرة في رام الله بالضفة الغربية في سبتمبر 2024، وصادرت محتوياته وأغلقته، في خطوة عكست انتقال القيود من القرارات الإدارية والتشريعية إلى إجراءات ميدانية مباشرة تستهدف المؤسسات الإعلامية ومقار عملها.
وامتدت الإجراءات، وفقاً للتقرير، إلى الفضاء الرقمي، من خلال تجديد قرارات حظر بث الشبكة وفرض قيود على الوصول إلى محتواها داخل إسرائيل، بما يشمل إلزام جهات ومنصات رقمية باتخاذ إجراءات للحد من إتاحته.
ويطرح ذلك تحديات تتعلق بحرية تداول المعلومات عبر الإنترنت، ومدى تأثير القرارات الحكومية على حق المستخدمين في الوصول إلى مصادر إخبارية متنوعة.
وعلى الصعيد القضائي، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية طلبات تقدمت بها رابطة الصحافة الأجنبية للسماح للصحفيين بدخول قطاع غزة بصورة مستقلة. وأبقت هذه القيود، بحسب منتقديها، على عقبات تحول دون وصول الصحفيين الدوليين إلى القطاع بحرية، وتحد من قدرتهم على التحقق المستقل من الوقائع ونقلها مباشرة من الميدان.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل صعوبة التغطية الصحفية داخل مناطق النزاع، واعتماد المؤسسات الدولية بدرجة كبيرة على مراسلين محليين يعملون في ظروف أمنية وإنسانية بالغة الخطورة.
معركة الرواية
يرى محللون أورد تقرير «القدس العربي» آراءهم أن تصاعد الإجراءات ضد الجزيرة وغيرها من المؤسسات الإعلامية المستقلة يعكس احتدام الصراع على الرواية المتعلقة بالحرب والتطورات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فالتغطية الميدانية، بما تتضمنه من شهادات وصور وتوثيق للأحداث، تسهم في تشكيل الرأي العام الدولي، وتضع الروايات الرسمية أمام اختبار التحقق والمساءلة.
وفي المقابل، تؤدي القيود المفروضة على الصحفيين والمقار الإعلامية والوصول إلى المنصات الرقمية إلى تضييق المساحة المتاحة أمام التغطية المستقلة، وتزيد صعوبة التحقق من المعلومات ومقارنتها بمصادر متعددة.
ولا تقتصر آثار هذه الإجراءات على المؤسسات المستهدفة، بل تمتد إلى الجمهور الذي يعتمد على الإعلام في فهم ما يجري وتكوين مواقفه استناداً إلى معلومات موثوقة.
وبين التحريض والإغلاق والتشريع والحجب الرقمي، تظل حماية الصحفيين وضمان قدرتهم على العمل باستقلالية من أبرز التحديات المطروحة أمام المجتمع الدولي. فحرية الإعلام لا تتعلق فقط بحق المؤسسات في البث والنشر، بل ترتبط أيضاً بحق الجمهور في المعرفة، وبضرورة إتاحة المجال أمام التوثيق المستقل للأحداث، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان ألا تتحول الإجراءات الأمنية إلى وسيلة لحجب الوقائع أو تقييد التغطية الصحفية.
تستقبل نساء غزة يوم الأم...
تواصل الآلة الإعلامية الإسرائيلية حربها...