This is a notification message.
يواصل المركز القطري للصحافة سلسلة "صحفيون في قلب الأزمات" التي تسلط الضوء على الدور المحوري للصحافة في تغطية الحروب والكوارث والأزمات الإنسانية حول العالم.
توثق السلسلة الجهود الاستثنائية للصحافة والإعلام في نقل الحقيقة للعالم، رغم قلة المصادر والمعلومات، وإيصال صوت الضحايا للعالم في وقت تكون فيه الحقيقة هي الضحية الأولى للصراعات.
نستعرض في هذه الحلقة كيف تناولت الصحف اليابانية والعالمية الكارثة البشرية التي حلت باليابان عام 1945، وأدت لإعلانها الاستسلام والخروج من الحرب العالمية الثانية، بحصيلة قتلى وصلت 210 آلاف شخص.
ففي السادس والتاسع من أغسطس عام 1945 أسدلت الحرب العالمية الثانية ستاراً جديداً من الرعب حين ألقت الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين.
وكانت هيروشيما أول هدف للولايات المتحدة، حيث دمرت القنبلة "ليتل بوي" المدينة بالكامل، وأودت بحياة أكثر من 140 ألف شخص خلال أشهر قليلة.. وبعد ثلاثة أيام فقط لاقت ناجازاكي المصير نفسه بقنبلة "فات مان" التي خلّفت نحو 70 ألف قتيل.
عقب إلقاء القنبلة الذرية الأولى توقفت القنوات الإذاعية عن البث، وأصبحت خارج الخدمة، حينها لاحظ مشغل التحكم التابع لهيئة الإذاعة اليابانية في طوكيو اختفاء محطة هيروشيما، فحاول إعادة الاتصال ولكن باءت محاولاته بالفشل.
وبعد دقائق أدرك كذلك مركز تلغراف السكك الحديدية في طوكيو توقف الخط الرئيسي للتلغراف في شمال طوكيو عن العمل، فما كان منهم إلا إرسال هذه التقارير التي تشير إلى انقطاع جميع سبل التواصل مع مدينة هيروشيما إلى مقر قيادة هيئة الأركان العامة للجيش الياباني الإمبراطوري.
وقد حاولوا بدورهم الاتصال مع القواعد العسكرية في المدينة، ولكن الصمت كان الجواب، فأرسلوا ضابطاً من هيئة الأركان العامة اليابانية ليقوم بالاستطلاع ومسح المنطقة، وبعد التحليق في السماء اليابانية وقبل الوصول إلى هيروشيما بمائة ميل رأى سحابة من الدخان؛ نتيجة سقوط القنبلة الذرية، ولم يتبقَّ من هيروشيما سوى قطعة كبيرة من الأرض المحترقة.
كيف تلقى اليابانيون الخبر؟
في الساعة السادسة مساء من نفس اليوم، أعلنت الإذاعة اليابانية تعرض مدينة هيروشيما لقصف جوي من قبل طائرات B-29 الأمريكية: " في الساعة 8:20 صباحاً من يوم 6 أغسطس، قامت طائرات B‑29 بقصف هيروشيما بقنابل حارقة، ولم يتم بعد تحديد طبيعة الأضرار بشكل كامل، ويتم حالياً التحقيق في الأمر". ولكنها لم تذكر في البداية أن القصف كان بسبب قنبلة ذرية؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون طبيعة السلاح المستخدم بشكل دقيق.
بعد تفجير مدينة هيروشيما بالقنابل الذرية، قام الرئيس الأمريكي هاري ترومان بالإعلان عن تفاصيل القنبلة في بيان نشره في الإذاعة الأمريكية: " قبل ست عشرة ساعة أسقطت طائرة أمريكية قنبلة واحدة على هيروشيما، وهي قاعدة عسكرية يابانية مهمة. كانت لتلك القنبلة قوة تفجيرية تفوق 20 ألف طن من مادة تي إن تي (TNT) لقد كانت أقوى بأكثر من ألفي مرة من قنبلة "غراند سلام البريطانية" والتي تُعد أكبر قنبلة استخدمت حتى الآن في تاريخ الحروب.
الصحف اليابانية
كانت الصحف الرسمية اليابانية تخضع لرقابة مشددة من الحكومة العسكرية وهيئة رقابة المحتوى؛ لذا عندما نشرت بيان الرئيس الأمريكي هاري ترومان لم يسمح لها باستخدام مصطلح" قنبلة ذرية" بل قامت بوصف الكارثة بنوع جديد من القنابل أو قنابل حارقة، بالإضافة إلى أنه لم يسمح لها بنشر تقارير تفيد بحجم الخسائر البشرية والمباني، ولا بنشر صور للضحايا وبقايا المدينة، وكانت أول صورة نشرت هي صورة السحابة الفطرية التي ظهرت في التاسع من أغسطس على صحيفة Asahi Shimbun.
وفي العاشر من أغسطس نشرت صحيفة ناجازاكي شيمبون تقريراً بعنوان:" قنبلة من نوع جديد تضرب مدينة ناجازاكي، ومن المتوقع أن تكون الأضرار طفيفة" واحتوى التقرير على إعلان من مقر المنطقة العسكرية الغربية، بأنه في حوالي الساعة 11 صباحاً من يوم 9 أغسطس غزت طائرتان كبيرتان للعدو مدينة ناجازاكي واستخدمتا ما بدا أنه نوع جديد من القنابل، ولم تذكر أي تفاصيل أخرى سوى أنه من المتوقع أن تكون الأضرار أقل نسبياً من هيروشيما.
أما صحيفة Chugoku Shimbun في هيروشيما، فقد توقفت عن العمل؛ بسبب التدمير الذي لحق بالمطبعة ولم تستأنف العمل حتى شهر سبتمبر.
الصحف العالمية
تناولت معظم الصحف العالمية إعلان الرئيس الأمريكي ترومان، ثم معلومات القصف النووي على مدينتي هيروشيما وناجازاكي.
ولم تكتفِ الصحف الغربية بالسبق الصحفي، ولكنها استمرت بنشر معلومات عن التفجير وأضراره والأضرار الكارثية التي لحقت بالبنية التحتية، وتأثير الإشعاعات على الناجين من القنبلة والتي استمرت لأجيال لاحقة، كما نشرت تحليلات سياسية وعسكرية تناقش صحة القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة آنذاك.
وتضمنت بعض هذه التقارير شهادات شخصية مع بعض الناجين من هيروشيما وناجازاكي.
نيويورك تايمز
لعبت صحيفة نيويورك تايمز دوراً بارزاً في تغطية الحدث بتحليله، ونشر شهادات الشهود على الرغم من الرقابة المفروضة عليها.
في البداية، كانت التغطية الرسمية للصحيفة تنفي آثار الإشعاع على الناجين من القصف الذري، ولكنها لاحقاً نشرت تقارير تشير إلى المعاناة الرسمية.
نشرت الصحيفة في السابع من أغسطس إعلاناً رسمياً لقصف هيروشيما تحت عنوان:" أول قنبلة ذرية تُلقى على اليابان… قوتها تعادل 20 ألف طن من تي إن تي… ترومان يتوعد العدو بمطر من الدمار"، بالإضافة إلى نشر إعلان الرئيس ترومان وتحذير اليابان من المزيد من القصف إذا لم تعلن استسلامها.
وفي اليوم التالي نشر المراسلون الميدانيون تقريراً أولياً يفيد بأعداد الضحايا والمصابين وحجم الدمار الذي حدث في المنطقة بعنوان: "القنبلة الجديدة تدمر هيروشيما بالكامل… آلاف القتلى والجرحى".
وفي العاشر من أغسطس احتوى تقرير: "رواية شاهد عيان لمهمة قصف ناجازاكي" الذي كتبه الصحفي ويليام آل لورانس، على شهادة صحفي كان على متن طائرة مرافقة أثناء قصف مدينة ناجازاكي، حيث وصف المشهد وكمية الدمار.
أعراض إشعاعية
لم تعترف صحيفة نيويورك تايمز بوجود أعراض إشعاعية، أو وجود وفيات بسبب الإشعاع الناتج عن القنبلة الذرية، حيث نشرت تقريراً في سبتمبر حسب الجيش الأمريكي أن الانفجار هو السبب الرئيسي للوفيات وليس الإشعاع، ولا وجود للإشعاع.
وفي 31 أغسطس نقلت الصحيفة رسالة من الصحفي ليزلي ناكاشيما عبر وكالة UPI، تشير إلى وفاة عدد كبير من الناس؛ بسبب التسمم الإشعاعي، ولكنهم اقتطعوا جميع الإشارات إلى وجود إشعاعات ووضعوا أسفل المقال" وفقاً للعلماء الأمريكيين لن يكون للقنبلة الذرية أي آثار متبقية"، ومن الجدير بالذكر أن ناكاشيما كان من أوائل الصحفيين الذين دخلوا هيروشيما وكتبوا تقريراً يصف الدمار والخراب، ونُشر جزء منه في نيويورك تايمز، مع حذف دلالات الإصابة بالتسمم الإشعاعي.
حاز الصحفي ويليام آل لورانس جائزة بوليتزر عام 1946 عن تقريره" رواية شاهد عيان لمهمة قصف ناجازاكي"، لعب لورانس دوراً مهماً في تغطية قصف ناجازاكي، فقد كان على مقربة من الجيش ورافقه أثناء القصف مما ساعده على كتابة سلسلة مقالاته التي تناولت القنبلة الذرية من جوانب علمية وتقنية وأهميتها وكيفية إنتاجها.
الجارديان
وصفت صحيفة الجارديان القنبلة بأنها أعظم رهان علمي في التاريخ، وأبرزت اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بالإنجازات العلمية العسكرية الكبيرة.
وفي السابع من أغسطس نشرت الجارديان تقريراً بعنوان: "القنبلة الذرية" بقلم والتر جيمس وصف فيه قوة القنبلة بأنها تدميرية تفوق قوتها أكبر قنبلة استخدمت ضد ألمانيا بألفي مرة، كما ذكر التقرير أن البشر استطاعوا أخيراً السيطرة على الوسائل التي تسمح لهم بتدمير أنفسهم تماماً، ودعا إلى إنشاء هيئة دولية للسيطرة على الطاقة الذرية.
التايمز
خصصت صحيفة التايمز مساحة بارزة في أولى صفحاتها في الركن العلوي يمين الصفحة لتضع خبراً غير معتاد لقرائها، فقد نشرت في السابع من أغسطس 1945 خبراً رئيسياً بعنوان: "أول قنبلة ذرية"، بعنوان فرعي" مطر الخراب من الجو"، وصفت فيه ما حدث بأن كل الكائنات الحية احترقت حتى الموت، وفي مقال رأي آخر حذرت فيه من أنه إذا لم يتم استخدام الطاقة الذرية بحكمة فستقضي على كل شيء، واقتبست من صحيفة فرنسية: "الحبّ، الصداقة، الكرم وكل ما يُستحقّ الحياة سيتهدَم قبل أن تنتهي من الحديث".
وفي الثامن من أغسطس، خصصت الصحيفة مساحة لرسائل القراء للتعبير عن آرائهم، وانقسمت إلى معارضين لاستخدام مثل هذه الأسلحة، ومحذرين من خطورتها، وآخرين دافعوا عن الضربة؛ معللين أنها ضرورة للاستخدام ضد عدو وحشي.
شيكاغو ديلي تريبيون
بعد قصف هيروشيما مباشرة نشرت صحيفة شيكاغو ديلي تريبيون تقريراً عنوانه: "البحرية تُعلن لليابان.. الأسطول يبتعد مجدداً… انفجار يهز طائرة B-29 تبعد 10 أميال؛ 4 أميال مربعة من هيروشيما دُمّرت".
ونشرت الصحيفة على صفحتها رسماً كاريكاتيرياً بعنوان: ""The fellow who lighted the fuse يصوّر شخصاً يشعل الفتيل وصولاً إلى انفجار هيروشيما.
وفي عدد آخر نشرت الصحيفة قصة يرويها أحد أفراد الطاقم الذين رموا القنبلة يتحدث فيها عن هول المشهد وحجم الدمار الجغرافي الذي ألحقوه بهيروشيما بعنوان:" قصة طاقم القنبلة: 60٪ من المدينة اليابانية مُحيت".
تستقبل نساء غزة يوم الأم...
تواصل الآلة الإعلامية الإسرائيلية حربها...