This is a notification message.
يواصل المركز القطري للصحافة سلسلة روّاد الصحافة العربية، وهي مبادرة ثقافية ومهنية تسلط الضوء على نخبة من أعلام الصحافة العربية الذين أسهموا في تأسيس الصحافة الحديثة، وتطوير أدواتها المهنية، وترسيخ تقاليدها وأخلاقياتها، وتركوا بصمات فكرية وإعلامية امتد أثرها إلى الأجيال المتعاقبة.
وتستهدف السلسلة التعريف بتاريخ الصحافة العربية ومسيرتها، واستحضار تجارب روادها ونماذجهم المهنية، بما تحمله من دروس في الالتزام بقضايا المجتمع، والدفاع عن حرية الرأي، والتمسك بأصول المهنة وقيمها.
وتتناول حلقة اليوم مسيرة الكاتب والصحفي المصري جلال الدين الحمامصي، أحد أبرز رواد المدرسة الحديثة في الصحافة المصرية والعربية، والذي جمع بين العمل الصحفي والممارسة السياسية والتدريس الأكاديمي والتأليف، وترك إرثاً مهنياً وفكرياً زاخراً.
النشأة والتكوين
وُلد جلال الدين الحمامصي في مدينة دمياط في الأول من يوليو عام 1913، ونشأ في بيت أدبي وثقافي؛ فوالده محمد كامل الحمامصي كان أديباً وشاعراً ومستشاراً لأمير الشعراء أحمد شوقي، وكان يمتلك مكتبة ضخمة في منزله، ما أتاح لنجله بيئة ثرية بالكتب والمعرفة، وأسهم في تنمية شغفه بالكتابة والصحافة منذ سنواته الأولى.
ظهرت ميوله الصحفية مبكراً، إذ بدأ العمل محرراً رياضياً في جريدة «كوكب الشرق» عام 1929، بالتزامن مع دراسته الثانوية، قبل أن يلتحق بكلية الهندسة في جامعة القاهرة، ويتخرج في قسم العمارة عام 1939. ولم تحُل دراسته الهندسية بينه وبين شغفه بالصحافة، التي سرعان ما أصبحت مساره المهني الأبرز.
انطلاقة صحفية
في عام 1937، ذاع اسم الحمامصي في الأوساط الصحفية بعد أن اختارته مجلة «روز اليوسف»، وكان محمد التابعي رئيساً لتحريرها آنذاك، لمرافقة وفد حزب الوفد في رحلته إلى لندن وتغطية نشاطه، وكان الحمامصي حينها لا يزال طالباً بكلية الهندسة.
وبعد ذلك، طلب منه فكري أباظة، رئيس تحرير مجلة «المصور»، العمل في دار الهلال محرراً للرياضة وشؤون الجامعات، براتب بلغ عشرة جنيهات، ثم انتقل إلى جريدة «المصري»، حيث برزت قدراته في التحرير والإخراج الصحفي.
وكان من أوائل الصحفيين الذين وظفوا خلفيتهم الهندسية في تطوير الشكل الصحفي، إذ عمل على إعادة تنظيم الصفحة لتصبح ثمانية أعمدة، أو «أنهار»، بدلاً من سبعة، في تجربة عكست اهتمامه بتطوير الإخراج الصحفي ومواكبة النماذج المتقدمة في الصحافة العالمية.
وفي عام 1946، أنشأ مجلة «الأسبوع»، ثم تولى رئاسة تحرير جريدة «الزمان» عام 1947، وانتقل بعدها إلى جريدة «مصر اليومية» التي كان يملكها مكرم عبيد، قبل أن يتولى رئاسة تحرير «أخبار اليوم» حتى قيام ثورة يوليو عام 1952.
الصحافة والسياسة
ارتبطت مسيرة الحمامصي الصحفية بالحياة السياسية المصرية، ففي عام 1940 عمل بجريدة «المصري» وانضم إلى حزب الوفد، ثم انتُخب عام 1942 عضواً في مجلس النواب.
وعندما استقال مكرم عبيد من وزارة الوفد في يوليو 1942، انضم إليه الحمامصي، وأصبح من أبرز المعارضين للوفد. ودفع ثمن مواقفه السياسية والصحفية، إذ تعرض للاعتقال بسبب تأييده لمكرم عبيد ونشر «الكتاب الأسود»، الذي تضمن وثائق اتهمت رئيس الوزراء ورئيس الوفد آنذاك مصطفى النحاس بالفساد واستغلال النفوذ.
وخلال فترة سجنه، التي امتدت إلى عام 1944، أقام علاقات وثيقة مع عدد من الشخصيات التي شاركته تجربة المعتقل، من بينهم أنور السادات، وعلي ماهر باشا، والشيخ أحمد حسن الباقوري، والصحفي موسى صبري.
وبعد خروجه من السجن، تولى عام 1944 إدارة تحرير جريدة «الكتلة»، التي أصدرها مكرم عبيد، ليواصل مسيرته في الصحافة السياسية والفكرية.
وكالة أنباء الشرق الأوسط
كان للحمامصي دور بارز في تأسيس وكالة أنباء الشرق الأوسط، إذ عُهد إليه بإنشاء الوكالة ورئاسة مجلس إدارتها خلال الفترة من 1955 إلى 1959.
وبذل جهوداً كبيرة في بناء الوكالة وتأسيس بنيتها المهنية، لتصبح أول وكالة أنباء مصرية خالصة، وتؤدي دوراً مهماً في تغطية الأحداث الكبرى، ولا سيما خلال أزمة قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر.
أخبار اليوم
بعد مغادرته وكالة أنباء الشرق الأوسط عام 1959، عاد الحمامصي إلى «أخبار اليوم» رئيساً لتحريرها، واشتهر خلالها بعموده اليومي «دخان في الهواء»، الذي تحول إلى واحد من أبرز أعمدته الصحفية وأكثرها حضوراً لدى القراء.
ومع صدور قرارات تأميم الصحف في بداية ستينيات القرن الماضي، عارض الحمامصي تلك القرارات، وانتهى الأمر بفصله من «أخبار اليوم»، ليتجه إلى العمل الأكاديمي.
وفي عام 1962، التحق بالجامعة الأمريكية بالقاهرة أستاذاً للصحافة، وتولى رئاسة قسم النشر، وظل بها حتى عام 1967، قبل أن يعود إلى العمل الصحفي مشرفاً عاماً على «الأخبار». وفي عام 1968 انتقل إلى جريدة «الأهرام»، وأسهم في إنشاء قسم الدراسات الصحفية.
وكانت السبعينيات والثمانينيات من أكثر مراحل تجربته الصحفية ثراءً، إذ عاد إلى الكتابة بعد فترة من الغياب، واستأنف حضوره من خلال مقالات تناولت قضايا عامة شائكة، من بينها الفساد وحرية الصحافة والتلاعب بأموال البنوك.
وكان عموده «دخان في الهواء» مساحة لمناقشة قضايا يرى أنها تستحق أن تكون في دائرة الضوء، وهو ما منحه حضوراً واسعاً لدى القراء. وبعد غياب طويل، عاد إلى الكتابة عام 1974 بمقال حمل عنوان «ما أحلى الرجوع إليه»، عبّر فيه عن مشاعر العودة إلى القراء بعد سنوات من الابتعاد.
تأسيس معهد الإعلام
لم تقتصر إسهامات الحمامصي على الصحافة اليومية، بل امتدت إلى مجال التعليم الإعلامي؛ إذ شارك في تأسيس معهد الإعلام بجامعة القاهرة عام 1971، وأسهم في وضع أسس الدراسة الأكاديمية للإعلام، ودرّس فيه، وتخرج على يديه طلاب الدفعات الثلاث الأولى، قبل أن يتطور المعهد لاحقاً إلى كلية الإعلام.
كما أصدر صحيفة «صوت الجامعة»، في إطار اهتمامه بتدريب الطلاب على الممارسة الصحفية وربط الدراسة الأكاديمية بالتطبيق العملي.
مؤلفاته
ترك الحمامصي عدداً كبيراً من المؤلفات والدراسات التي تناولت فنون العمل الصحفي وصناعة الصحافة، واستُخدم بعضها في تدريس الصحافة والإعلام في عدد من المؤسسات التعليمية العربية.
ومن أبرز مؤلفاته الصحفية: «المخبر الصحفي»، و«المندوب الصحفي»، و«صالة التحرير»، و«الأخبار في الراديو والتلفزيون»، و«وكالات الأنباء»، و«الإدارة في الصحف»، و«من الخبر إلى الموضوع الصحفي»، و«الصحيفة المثالية».
كما ترك عدداً من المؤلفات السياسية والفكرية، من بينها «حوار وراء الأسوار»، الذي صدر عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، و«مستقبل الديمقراطية في مصر»، و«من القاتل».
أسلوب مميز
تميّز الحمامصي بأسلوب يجمع بين الصياغة الأدبية والتحقيق الصحفي، وبالقدرة على تناول القضايا المعقدة بلغة تجمع بين قوة الفكرة ودقة المعلومة.
ولم تكن كتاباته تكتفي بعرض الحدث، بل سعت إلى البحث في خلفياته وما يرتبط به من مصالح وتفاعلات، مع اهتمام واضح بالتوثيق والتحقق من المعلومات. واشتهر بجرأة الطرح وتناول الملفات التي كانت تحظى باهتمام عام، مع حرصه على أن تظل الصحافة، في جوهرها، وسيلة لكشف الحقائق وإثارة النقاش حول القضايا العامة.
وبهذه السمات، ارتبط اسمه بمدرسة صحفية جادة تركت أثراً في أجيال من الصحفيين، وأسهمت كتاباته ومؤلفاته في إثراء النقاش حول مستقبل الصحافة وأدواتها ووظيفتها في المجتمع.
إرث صحفي
يمثل جلال الدين الحمامصي نموذجاً للصحفي الذي جمع بين الممارسة المهنية والتأليف والتعليم والعمل المؤسسي، وأسهم في مراحل مختلفة من حياته في تطوير الصحافة المصرية، سواء من خلال العمل في الصحف والمجلات، أو تأسيس المؤسسات الإعلامية، أو تدريس الصحافة للأجيال الجديدة.
وظل حضوره ممتداً عبر مؤلفاته ومقالاته وتجربته المهنية، التي جعلت منه أحد الأسماء البارزة في تاريخ الصحافة المصرية والعربية خلال القرن العشرين.
الرحيل
توفي جلال الدين الحمامصي في 20 يناير عام 1988، إثر أزمة قلبية أثناء ممارسته الرياضة، وشُيعت جنازته من مسجد عمر مكرم، لتطوى بذلك صفحة أحد الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الصحافة المصرية الحديثة، بينما بقيت أعماله ومؤلفاته شاهداً على مرحلة مهمة من تطور المهنة ومسيرتها.
تستقبل نساء غزة يوم الأم...
تواصل الآلة الإعلامية الإسرائيلية حربها...