This is a notification message.
لم تكن الاتهامات التي عادت إلى الواجهة في سبتمبر 2026، على خلفية تقرير نشرته مجلة «ذا نيويوركر» عن علاقة قطر بملف دعم الشعب الفلسطيني وأهل قطاع غزة وحركة حماس، حدثاً منفصلاً في مسار العلاقة بين الدوحة، ووسائل إعلام وجهات سياسية مختلفة، بل جاءت بعد سنوات من السجالات والادعاءات والحملات الرقمية والإعلامية التي استهدفت صورة قطر ودورها السياسي والوساطي في المنطقة.
يرصد المركز القطري للصحافة، في السطور التالية، أبرز حملات الاستهداف الإعلامي والتضليل الممنهج التي استهدفت جهود دولة قطر الدبلوماسية والإنسانية، وما رافقها من محاولات لتشويه الحقائق والنيل من أدوارها خلال السنوات الماضية.
ففي أحدث حلقات هذا المسار، رفض مكتب الإعلام الدولي لدولة قطر بصورة قاطعة ما ورد في تقرير «ذا نيويوركر» المنشور في 19 سبتمبر 2026، وقال إن التقرير يستند إلى معلومات ووثائق «مزورة ومختلقة»، مشيراً إلى أن المجلة أُبلغت قبل النشر بأدلة، بحسب الدوحة، تثبت زيف ما يعرف باسم «وثائق بلاست» وغيرها من المستندات التي استند إليها التقرير. وأعلن المكتب دراسة «جميع الخيارات القانونية المناسبة» بشأن ما نُشر.
لكن لفهم خلفية هذه المواجهة، تبدو العودة إلى السنوات الثلاث الماضية ضرورية، خصوصاً أن باحثين في مجال التضليل وثقوا حملات رقمية استهدفت قطر منذ أواخر عام 2023، فيما أصدرت الدوحة خلال 2025 و2026 سلسلة بيانات رافضة لما وصفته بالتقارير والادعاءات الملفقة أو المضللة.
حملة رقمية 2023
تكشف أبحاث منشورة خلال 2024 عن وجود حملة تأثير رقمية متعددة اللغات استهدفت قطر، وارتبطت برسائل معادية للمسلمين وللدولة، واستخدمت مجموعة من المنصات الرقمية والإعلانات المدفوعة ومواقع إلكترونية وحسابات ومحتوى مصطنع.
ووفق دراسة أعدها الباحثان سوهان دسوزا ومارك أوين جونز، بدأت العملية في أكتوبر 2023، واتخذت شكل حملة متعددة المراحل والوسائط، تضمنت محتوى بالعربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وحققت ملايين المشاهدات والانطباعات، فيما قدر الباحثان وصول جزء من الحملة على «فيسبوك» إلى أكثر من 41 مليون مستخدم.
ويشير دسوزا، الباحث السابق في مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلى أن المشروع الذي حمل عنوان «مؤامرة قطر» درس آليات التأثير الرقمي المستخدمة في مهاجمة قطر، بما في ذلك الإعلانات والترويج غير العضوي والحسابات والمواقع التي تقدم رسائل سياسية في صورة محتوى إعلامي أو بحثي.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة؛ لأنها تضع حملات الاستهداف في سياق أوسع من مجرد نشر خبر أو تقرير منفرد، وتوضح كيف يمكن أن تنتقل الرسالة الواحدة بين مواقع وحسابات ومنصات متعددة، بما يمنحها انتشاراً أوسع ويصعّب على المتلقي التمييز بين المصدر الأصلي وإعادة النشر.
تضليل منظم
أظهرت الدراسات التي تناولت ما أطلق عليه الباحثون «Qatar Plot» استخدام مزيج من المواقع الإلكترونية، والإعلانات، والحسابات الرقمية، والمحتوى الذي وصفه الباحثون بأنه مولد بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب ما أسموه «cheapfake»، بهدف تعزيز رسائل معادية لقطر والوصول إلى جماهير في الولايات المتحدة وأوروبا والمنطقة.
ولا يعني توثيق هذه الحملة أن كل ادعاء لاحق ضد قطر يندرج تلقائياً ضمنها؛ غير أن هذه الوقائع توفر خلفية مهمة لفهم البيئة الإعلامية التي أصبحت فيها الادعاءات المتعلقة بقطر قابلة لإعادة الإنتاج عبر منصات متعددة، سواء كانت الادعاءات موثقة أم محل نزاع.
الوساطة القطرية
مع استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، أصبحت الوساطة القطرية بين إسرائيل وحركة حماس واحدة من أبرز الملفات التي تعرضت فيها الدوحة لانتقادات سياسية وإعلامية.
وفي 3 مايو 2025، انتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الدور القطري في مفاوضات غزة، داعياً قطر إلى تحديد موقفها من إسرائيل وحماس. وردت الدوحة في اليوم التالي، عبر الدكتور ماجد الأنصاري مستشار رئيس مجلس الوزراء والمتحدث الرسمي لوزارة الخارجية، برفض التصريحات الإسرائيلية ووصفها بأنها تحريضية وغير مسؤولة، مؤكدة استمرار جهود الوساطة بالتعاون مع مصر والولايات المتحدة.
واستند الرد القطري كذلك إلى حصيلة الوساطة، مشيراً إلى الإفراج عن رهائن ومحتجزين عبر جهود التفاوض، في مقابل استمرار الكارثة الإنسانية في قطاع غزة. وأكدت الدوحة أن حملات التضليل والضغوط السياسية لن تدفعها إلى التخلي عن دورها في الوساطة، أو عن دعم حقوق المدنيين.
وفي يونيو من العام نفسه، أصدر مكتب الإعلام الدولي القطري بياناً رد فيه على ما وصفه بتقارير إسرائيلية ملفقة، وقال إن وثائق مزعومة عادت إلى التداول بهدف إثارة التوتر بين قطر والولايات المتحدة في وقت كانت فيه جهود الوساطة بشأن وقف إطلاق النار مستمرة. وحذر المكتب وسائل الإعلام من تداول معلومات مضللة قد تؤثر في مسار المفاوضات.
سلسلة متصاعدة
لم تتوقف البيانات القطرية عند ذلك الحد. ويظهر أرشيف مكتب الإعلام الدولي خلال 2026 سلسلة من البيانات المتعلقة بتقارير وادعاءات إعلامية، بينها بيانات في يناير ومارس وأبريل ويونيو ويوليو وسبتمبر، بما يعكس تكرار المواجهة الإعلامية حول ملفات قطرية مختلفة.
وفي 18 سبتمبر 2026، أصدر المكتب بياناً رداً على تقارير في وسائل الإعلام الإسرائيلية تناولت وجهة المساعدات الإنسانية القطرية إلى قطاع غزة. ونفى المكتب ما ورد فيها، مؤكداً أن المساعدات كانت موجهة إلى المدنيين الفلسطينيين، وأن آليات تقديمها السابقة تمت بالتنسيق مع السلطات الإسرائيلية وشركاء دوليين، وأن الأمم المتحدة تولت إيصال المساعدات إلى القطاع ضمن تلك الآليات.
وربط المكتب في بيانه تكرار تلك الادعاءات بالسجالات السياسية الداخلية في إسرائيل، وقال إن أطرافاً من اليمين الإسرائيلي وشخصيات سياسية تستخدم اسم قطر في هذا السياق.
أحدث حلقات المواجهة
في 19 سبتمبر 2026، نشرت مجلة «ذا نيويوركر» تقريراً تناول ما وصفته بفضيحة «Qatargate» في إسرائيل، وتضمن اتهامات بشأن علاقات مزعومة بين شخصيات إسرائيلية وقطر، من بينهم مستشارون لرئيس الوزراء الإسرائيلي.
وفي اليوم التالي، رد مكتب الإعلام الدولي القطري برفض التقرير، مؤكداً أن الوثائق التي استند إليها، ومن بينها ما يعرف باسم «Blast documents»، سبق تداولها، وأن الدوحة قدمت للمجلة، قبل النشر، أدلة قالت إنها تثبت عدم صحتها.
وأكد المكتب أن قطر لا تمول حركة حماس، وأن مساعداتها كانت موجهة إلى المدنيين الفلسطينيين عبر آليات جرى تنسيقها مع إسرائيل وشركاء دوليين.
وأعلن المكتب دراسة الخيارات القانونية المتاحة، داعياً المؤسسات الإعلامية إلى تشديد معايير التحقق من الوثائق والمصادر، خاصة في القضايا الجيوسياسية شديدة الحساسية.
لماذا تتكرر المواجهة؟
تتداخل في ملف قطر عدة دوائر سياسية وإعلامية في وقت واحد. فمنذ الحرب على غزة، أصبحت الدوحة طرفاً رئيسياً في جهود الوساطة بين إسرائيل وحماس، بالتعاون مع مصر والولايات المتحدة. ومع كل جولة تفاوض أو أزمة سياسية، يعود الجدل حول طبيعة الدور القطري وعلاقاته الإقليمية.
وفي المقابل، تقول الدوحة إن استهدافها إعلامياً يرتبط بمحاولات تقويض دورها كوسيط، بينما يرى منتقدون لسياساتها أن علاقاتها مع أطراف إقليمية، ومن بينها حركة حماس وإيران، تبرر طرح أسئلة حول طبيعة هذا الدور وحدوده. ومن ثم، فإن توصيف دوافع الحملات يحتاج إلى التمييز بين الوقائع الموثقة وبين التفسيرات السياسية المتنافسة.
تكشف هذه الوقائع أيضاً عن تحدٍّ مهني يتجاوز الحالة القطرية، يتعلق بتعامل وسائل الإعلام مع الوثائق المسربة والمجهولة المصدر في الملفات الجيوسياسية.
فوجود وثيقة في حد ذاته لا يثبت صحتها، كما أن تداولها عبر أكثر من وسيلة لا يحولها إلى حقيقة مستقلة إذا كانت جميع عمليات النشر تعود إلى المصدر نفسه. ولذلك تبرز أهمية التحقق من أصل الوثيقة، وسلسلة حيازتها، وتاريخها، والجهة التي أصدرتها، وسلامة محتواها، إلى جانب الحصول على رد الأطراف المعنية.
وفي حالة «ذا نيويوركر»، تتمسك قطر بأن مستندات التقرير مزورة، بينما يقدم التقرير المنشور رواية مختلفة؛ ومن ثم فإن الفصل بين الادعاءات المتعارضة يتطلب الرجوع إلى الأدلة الأصلية والتحقق المستقل منها، وليس الاكتفاء بمجرد تكرار أي من الروايتين.
الصراع السياسي
تُظهر تجربة السنوات الأخيرة أن المعركة على صورة الدول لم تعد تجري فقط عبر التصريحات الرسمية أو المقالات الصحفية التقليدية، بل باتت تمتد إلى منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات الرقمية والمواقع الإلكترونية والحسابات المؤثرة.
وفي الحالة القطرية، وثقت أبحاث مستقلة وجود حملات رقمية واسعة منذ 2023، بينما واصلت الدوحة خلال 2025 و2026 إصدار بيانات للرد على ما وصفته بالتقارير الملفقة والمعلومات المضللة.
وبينما لا تكفي هذه الوقائع وحدها لإثبات أن كل حملة أو تقرير ضد قطر جزء من عملية واحدة، فإن تكرار الأدوات والموضوعات يجعل التحقق المستقل ضرورة مهنية في كل حالة.
مسؤولية الإعلام
في القضايا التي تتداخل فيها الحرب والسياسة والوساطة والدعاية، تصبح المسؤولية المهنية أكبر من مجرد نقل الادعاء والرد عليه.
وتبرز مجموعة من المعايير التي تساعد في حماية التغطية من التحول إلى أداة في صراع الروايات:
التحقق من أصل الوثائق وسلسلة حيازتها قبل نشرها.
فحص التواريخ والتوقيعات والبيانات الوصفية والجهة المنسوب إليها إصدار الوثيقة.
عدم اعتبار إعادة نشر الادعاء في أكثر من وسيلة دليلاً مستقلاً على صحته.
منح الأطراف المعنية حق الرد بصورة واضحة ومتكافئة.
الفصل بين الادعاء والواقعة المثبتة، وبين الرأي والتحليل.
توضيح طبيعة المعلومات إذا كانت مؤكدة أو متنازعاً عليها أو مستندة إلى مصادر مجهولة.
تجنب العناوين القطعية في القضايا التي لا تزال أدلتها محل نزاع.
البحث عن مصادر مستقلة لا تعتمد على الوثيقة أو الرواية نفسها.
التدقيق في الحسابات والمواقع التي تبدو إعلامية أو بحثية قبل التعامل معها كمصادر موثوقة.
وبذلك، فإن المسار الممتد من الحملات الرقمية التي رُصدت منذ أواخر 2023، مروراً بالسجالات المرتبطة بالوساطة القطرية في 2025، وصولاً إلى البيانات المتتالية في 2026 وتقرير «ذا نيويوركر» الأخير، يقدم نموذجاً واضحاً لصعوبة الفصل بين الخبر والصراع السياسي في بيئة إعلامية شديدة الاستقطاب.
وفي نهاية المطاف، لا تكمن المسألة في عدد المرات التي يتكرر فيها الادعاء، وإنما في قوة الأدلة التي تسنده، وقدرة المؤسسات الإعلامية على اختبارها بصورة مستقلة قبل تحويلها إلى مادة للرأي العام.
تستقبل نساء غزة يوم الأم...
تواصل الآلة الإعلامية الإسرائيلية حربها...