This is a notification message.
أعاد مقال رأي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» فتح النقاش حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى الإعلامي، بعدما كشف المستثمر الأمريكي الشهير ستانلي دراكنميلر أنه استعان بأدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد مقال انتقد فيه وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت.
وبدأ الجدل بعد نشر المقال، حيث لاحظ مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي أن أسلوبه بدا مشابهاً للنصوص التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي. وأكد دراكنميلر لاحقاً أنه استخدم بالفعل أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الكتابة، مشيراً إلى أنه يستعين بعدة أدوات، من بينها ChatGPT وClaude وGemini وPerplexity، لمساعدته في التعبير عن أفكاره وصياغتها.
وشدد المستثمر الأمريكي على أن الأفكار والمواقف الواردة في المقال تعود إليه شخصياً، فيما دافعت «وول ستريت جورنال» عن نشر المقال، معتبرة أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني تلقائياً أن المحتوى ليس من إنتاج صاحبه.
وتقوم وجهة نظر الصحيفة على التمييز بين امتلاك الفكرة وتحمل المسؤولية عن مضمونها من جهة، والاستعانة بأداة تقنية للمساعدة في صياغتها من جهة أخرى. وبناءً على ذلك، لم تعتبر الصحيفة أن استعانة دراكنميلر بالذكاء الاصطناعي، تتعارض مع معاييرها التحريرية، ما دام المقال يعبر عن موقفه ويتحمل مسؤوليته.
حدود الاستخدام
تتجاوز هذه القضية شخصية دراكنميلر وخلافه مع وزير الخزانة الأمريكي، لتطرح سؤالاً بات يواجه الصحفيين والمؤسسات الإعلامية حول العالم: متى يكون الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، ومتى يتحول إلى شريك في إنتاج المحتوى؟
فهناك فارق واضح بين استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تدقيق اللغة، أو تفريغ المقابلات، أو تنظيم المعلومات، وبين استخدامها لإعداد نص كامل، أو توليد معلومات وتحليلات، ثم نشرها باسم صحفي أو كاتب من دون الإفصاح عن طبيعة هذا الاستخدام.
ومع اتساع حضور الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، باتت الأدوات الرقمية تستخدم في مراحل متعددة من العمل الصحفي، بدءاً من البحث والترجمة والتفريغ، وصولاً إلى تحليل البيانات وإعداد المسوّدات والمساعدة في الصياغة.
وفي المقابل، تتزايد المخاوف المرتبطة بالمعلومات غير الدقيقة، والاقتباسات الوهمية، وإعادة إنتاج محتوى منشور دون نسبته إلى مصدره، فضلاً عن صعوبة معرفة ما إذا كان النص من إنتاج بشري خالص، أم بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
ومن هنا برزت الشفافية باعتبارها واحدة من أهم المبادئ المنظمة لاستخدام هذه الأدوات. فالاستعانة بالذكاء الاصطناعي لا تعني في حد ذاتها أن المادة الإعلامية مزيفة، أو أن الصحفي تخلى عن مسؤوليته المهنية، لكن كلما اتسع دور الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، ازدادت أهمية الإفصاح والمراجعة البشرية والمساءلة التحريرية.
قواعد الشفافية
وفي الاتحاد الأوروبي، دخلت قواعد الشفافية المنصوص عليها في المادة 50 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) حيز التطبيق في 2 أغسطس 2026. وتشمل هذه القواعد متطلبات تتعلق بإبلاغ المستخدمين عندما يتفاعلون مباشرة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، ووضع علامات قابلة للقراءة آلياً على المحتوى المولّد أو المعدّل بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب متطلبات محددة تتعلق بالمحتوى المزيف أو المتلاعب به، وبعض المنشورات النصية المتعلقة بالشأن العام عندما تُنتج بالذكاء الاصطناعي من دون مراجعة بشرية أو إشراف تحريري.
وتأتي هذه القواعد بهدف الحد من مخاطر التضليل والتلاعب، وتعزيز قدرة الجمهور على التمييز بين المحتوى البشري، والمحتوى الذي أُنشئ أو عُدّل باستخدام الذكاء الاصطناعي.
جدل مهني
ولم تكن قضية دراكنميلر الحالة الوحيدة التي أثارت نقاشاً حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة والنشر.
ففي أغسطس الجاري، أقرت أستاذة الرياضيات في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، زفيسديلينا ستانكوفا، باستخدام الذكاء الاصطناعي في إعداد مقال رأي انتقدت فيه مستوى بعض الطلاب وسياسات القبول الجامعي. وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي ساعد في تحرير المقال، مؤكدة في الوقت نفسه حجم العمل البشري الذي سبق نشره.
وفي واقعة أخرى، أنهت صحيفة «نيويورك تايمز» علاقتها بالصحفي المستقل أليكس بريستون، بعدما تبين أنه استعان بالذكاء الاصطناعي في إعداد مراجعة كتاب، تضمنت أجزاء متشابهة مع مراجعة سابقة نشرتها صحيفة «الجارديان». وأقر بريستون باستخدام أداة للذكاء الاصطناعي في إعداد المسوّدة، وعدم اكتشافه أوجه التشابه قبل النشر، فيما اعتبرت الصحيفة الواقعة مخالفة لمعاييرها التحريرية.
وتكشف هذه الحالات أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالسؤال عن إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بحدود الاستخدام، وضرورة المراجعة البشرية، والإفصاح للجمهور، والمسؤولية عن المحتوى المنشور.
اتساع الظاهرة
وأظهرت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة Graphite أن المقالات التي يغلب عليها المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي أصبحت تمثل نحو 50% من المقالات المنشورة على الإنترنت. وبحسب الدراسة، بلغت نسبة المقالات التي صُنفت على أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي بصورة أساسية 49.9% في الربع الأول من عام 2026، مقابل 50.1% للمقالات البشرية.
واعتمدت الدراسة على عينة من نحو 55.4 ألف مقال باللغة الإنجليزية، جرى تحليلها باستخدام ثلاث أدوات للكشف عن المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي.
وفي دراسة أخرى، حلل مركز Pew Research Center نحو 490 ألف صفحة ويب باللغة الإنجليزية ضمن أرشيف Common Crawl، وخلص إلى أن نحو 10% من إجمالي الصفحات التي شملتها عينة يوليو 2026 أظهرت مؤشرات مهمة على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة أو التحرير. وترتفع النسبة إلى أكثر من الثلث عند حصر التحليل في الصفحات المنشورة بعد إطلاق ChatGPT.
وقد وجدت دراسة أجرتها Ahrefs في أبريل 2025، وشملت 900 ألف صفحة ويب جديدة، أن 74.2% منها احتوت على قدر من المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي. وبيّنت الدراسة أن 2.5% من الصفحات صُنفت على أنها «ذكاء اصطناعي خالص»، و25.8% «بشرية خالصة»، بينما تضمنت النسبة الكبرى مزيجاً من المحتوى البشري والمولّد بالذكاء الاصطناعي.
وتؤكد هذه الأرقام، رغم اختلاف المنهجيات ومعايير القياس، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية هامشية في صناعة المحتوى، بل أصبح جزءاً متزايد الحضور في دورة الإنتاج الإعلامي والرقمي.
المحتوى الآلي
وتبقى القضية الأهم أمام المؤسسات الإعلامية هي كيفية الحفاظ على ثقة الجمهور في بيئة يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي إنتاج نصوص تبدو، في كثير من الأحيان، شبيهة بما يكتبه الصحفي أو الكاتب المحترف.
فالمسألة لا تتعلق برفض استخدام التكنولوجيا، بقدر ما ترتبط بوضع قواعد واضحة تضمن بقاء الإنسان مسؤولاً عن المحتوى، وتحدد متى يصبح الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي ضرورة مهنية وأخلاقية.
ومع استمرار تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، يبدو أن المؤسسات الإعلامية ستكون أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من قدرات التكنولوجيا دون التفريط في المصداقية، والسرعة دون التضحية بالدقة، والابتكار دون المساس بالمسؤولية التحريرية.
ومن هنا، فإن قضية مقال دراكنميلر لا تبدو مجرد واقعة عابرة، بل مؤشراً على سؤال أكبر يفرض نفسه على صناعة الإعلام: من يكتب المحتوى عندما يكتب الإنسان بمساعدة الآلة، ومن يتحمل مسؤوليته أمام الجمهور؟
المصدر:
تقرير صحيفة «وول ستريت جورنال»
تستقبل نساء غزة يوم الأم...
تواصل الآلة الإعلامية الإسرائيلية حربها...