This is a notification message.
د. صالح المطيري: الخليج تجاوز الصور النمطية وعزز حضوره الإعلامي.
الإعلام بوابة التأثير العالمي وصناعة الصورة وتشكيل وعي الجمهور.
التصورات النمطية تختزل تجربة الخليج في النفط والثروة ومظاهر العمران.
أهمية تجاوز الأحكام المسبقة وإبراز الإسهامات البشرية والثقافية والحضارية.
مطلوب تطوير أدوات الخطاب الخليجي والاهتمام بالمضمون والفكرة.
الخليج يضم مفكرين ومثقفين ومتعلمين يسهمون في بناء مجتمعاتهم.
تعاون الإعلاميين والمثقفين يقدم رواية تعكس حقيقة المجتمعات الخليجية.
نظّم المركز القطري للصحافة ندوة بعنوان «نحن والآخر.. ازدواجية صورة الخليج في الإعلام»، ناقشت تحولات صورة الخليج في الوعي العربي، والعوامل السياسية والاقتصادية والثقافية التي أسهمت في تشكيلها، وعلاقة المنطقة بالمثقف العربي، ودور الإعلام الخليجي في تقديم رواية أكثر إنصافاً تعكس واقع المجتمعات الخليجية وتطورها.
وتحدث خلال الندوة، التي أقيمت في قاعة الأستاذ عبدالله بن حسين النعمة، ضمن سلسلة «مجلس الصحافة»، الدكتور صالح المطيري، الإعلامي والباحث السياسي، وأدارها صانع المحتوى سلطان الشرشني، بحضور عدد من الصحفيين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي والإعلامي.
وأكد المطيري أن صورة الخليج لا تزال تتأثر بتصورات نمطية تختزل تجربته في النفط والثروة ومظاهر العمران، رغم التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها دول المنطقة، وتعاظم حضورها على المستويين الإقليمي والدولي.
وشدد على أن تصحيح هذه الصورة يتطلب خطاباً إعلامياً متماسكاً يستند إلى المعرفة والوقائع، ويبرز الإنسان الخليجي وإسهاماته، بدلاً من الاكتفاء بالرد على الصور التي ينتجها الآخرون.
الصورة النمطية
وأوضح المطيري أن الثقل الخليجي شهد تحولاً كبيراً خلال العقود الماضية، إذ انتقلت المنطقة من موقع كان يُنظر إليه باعتباره هامشياً إلى أحد مراكز التأثير العربي، بفضل تطورها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
وأكد أن هذا التحول لا ينتقص من المكانة التاريخية للعواصم الثقافية العربية، وفي مقدمتها القاهرة وبغداد وبيروت ودمشق، بل يعكس اتساع دوائر التأثير وتعدد مراكز إنتاج الثقافة والمعرفة في العالم العربي.
وتناول ما وصفه بـ«عقدة النفط» في النظرة إلى الخليج، مشيراً إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي، رغم اختلاف سياساتها وتشريعاتها، تجمعها روابط ومصالح مشتركة، غير أن صورتها لا تزال تُختزل في الثروة النفطية، بما يتجاهل إسهاماتها البشرية والثقافية والحضارية.
وميّز بين وصف الدول الخليجية بأنها دول نفطية، باعتباره توصيفاً لأحد مواردها الاقتصادية، واختزال هويتها وتجربتها في هذا المورد وحده.
ورأى أن هذا الاختزال أسهم في تكريس تصورات تضع الخليج في موقع الأطراف مقابل مراكز التأثير العربية التقليدية، وألقى بظلاله على حضور الأدباء والمثقفين الخليجيين في المشهد الثقافي العربي.
وأكد أن النفط منح دول الخليج قوة اقتصادية، فيما عززت سياساتها حضورها الإقليمي والدولي، مستشهداً بالوساطة القطرية التي جعلت الدوحة طرفاً فاعلاً في تقريب وجهات النظر بين أطراف دولية وإقليمية مختلفة.
واعتبر أن هذا الدور يقدم نموذجاً لحضور خليجي يقوم على بناء الثقة والمساهمة في معالجة القضايا، مشيراً إلى أن تبني قطر نهج السلام أسهم في تعزيز مكانتها.
ولفت إلى أن اتساع المنصات الإعلامية والثقافية الخليجية أتاح للمجتمعات المحلية فرصاً أكبر للتعبير عن نفسها، لكنه تساءل عن مدى نجاح هذا الحضور في تغيير الصور النمطية الراسخة، التي لا تزال تختزل الخليج في صحراء تحولت إلى مدينة، دون التوقف عند العقول والجهود التي صنعت هذا التحول.
المثقف العربي
وفي حديثه عن علاقة المثقف العربي بالخليج، أشار المطيري إلى أن دول المنطقة استقطبت مفكرين وعلماء وكتّاباً وباحثين عرباً وأجانب عبر مؤسساتها الثقافية والإعلامية وجامعاتها، مؤكداً أن الغاية من هذا الحضور ينبغي أن تتجاوز الاستضافة والمشاركة في الفعاليات إلى الإسهام في إنتاج الأفكار وطرح الأسئلة وإثراء النقاش العام.
وقال إن المطلوب ليس أن يردد المثقف ما ترغب المؤسسات في سماعه، بل أن يشارك في قراءة الواقع الخليجي وتحولاته، وأن يسهم في إثراء الحوار الثقافي العربي، متسائلاً عن حجم الأفكار التي انطلقت من الخليج وأصبحت جزءاً من النقاش الفكري في المنطقة.
وشدد على أن تقييم العلاقة بين الخليج والمثقف لا ينبغي أن يقتصر على عدد المشاركين أو حجم ما يُكتب ويُنشر، بل يجب أن يستند إلى ما ينتجه هذا التفاعل من معرفة تسهم في فهم المجتمعات الخليجية وتطوراتها، وتقدم قراءات تتجاوز الانطباعات والأحكام المسبقة.
ورأى أن بعض المثقفين لا يزالون متأثرين بتصورات قديمة عن دول النفط والرفاه، وأن خلفياتهم السياسية والثقافية انعكست أحياناً على ما قدموه في الكتابة والرواية والسينما، بما أسهم في إعادة إنتاج الصور النمطية بدلاً من مراجعتها.
وأكد أن الخليج يضم مفكرين ومثقفين ومتعلمين يسهمون في بناء مجتمعاتهم وإنتاج المعرفة، وأن التعرف إلى تجاربهم يتطلب تجاوز الصور الجاهزة، والنظر إلى الإنسان الخليجي بوصفه شريكاً أصيلاً في الثقافة العربية وصناعة أفكارها.
وتطرق إلى استضافة بعض دول الخليج مشروعات وإنتاجات فنية عالمية، مشيراً إلى أن هذا الحضور لم ينعكس دائماً على صورة الخليجي في الأعمال الدرامية والسينمائية، التي لا يزال بعضها يربطه بالصحراء أو الثراء، بعيداً عن تنوع حياته الاجتماعية والمهنية والثقافية.
ودعا الكتّاب والباحثين والمثقفين العرب إلى الاقتراب من الواقع الخليجي ومعاينته عن قرب، وبناء مواقفهم على المعرفة المباشرة، بما يساعد على تقديم صورة أكثر توازناً وإنصافاً.
بناء الإنسان
وأوضح المطيري أن استثمارات دول الخليج لم تقتصر على تشييد ناطحات السحاب والطرق والبنية التحتية، بل امتدت إلى المدارس والجامعات والخدمات الصحية ومشروعات التنمية المجتمعية، مشدداً على أن قراءة التجربة الخليجية ينبغي أن تشمل بناء الإنسان، وتوسيع فرص التعليم، وتحسين جودة الحياة.
وأقر بإسهام الكفاءات العربية في مسيرة التنمية الخليجية، مشيراً في المقابل إلى أن دول المنطقة أتاحت مواردها وفرصها التنموية أمام محيطها العربي، في إطار من التعاون والتفاعل المتبادل.
ولفت إلى أن بعض الصور الإعلامية ركزت على العمران ومظاهر الحداثة، لكنها لم تمنح الإنسان الذي يعيش في هذه المدن ويسهم في بنائها الحضور نفسه، معتبراً أن القدرة على تشكيل الصورة تؤثر بصورة مباشرة في فهم الجمهور للواقع وتقييمه.
وتناول تجربة قطر في استضافة كأس العالم 2022، معتبراً أن نجاحها في تنظيم البطولة واستقبال جماهير من ثقافات متعددة قدم صورة عملية مغايرة لكثير من التصورات السابقة. وأشار إلى أن البطولة أتاحت مساحة واسعة للتفاعل بين الثقافات، وأظهرت قدرة المنطقة على تنظيم حدث عالمي وفق معايير متقدمة.
وبيّن أن الخليج لم يكن منفصلاً عن محيطه العربي، وأن الروابط التاريخية والثقافية والدينية بين مجتمعات المنطقة أعمق من الصور التي تختزلها في النفط أو مظاهر العمران، مشيراً إلى الامتدادات الإقليمية والثقافية التي تربط الخليج بالعراق واليمن وغيرهما من البلدان العربية.
واستحضر تجربة مجلة «العربي» الصادرة في الكويت، ودورها في تعريف القراء ببلدان الوطن العربي وثقافاته عبر الاستطلاعات والتحقيقات، ومن بينها باب «اعرف بلدك العربي»، الذي أتاح للقارئ التعرف إلى بلدان المنطقة.
واعتبر أن هذه التجربة قدمت نموذجاً للإعلام الثقافي الذي يعزز المعرفة المتبادلة، ويتجاوز الحدود الجغرافية في بناء الوعي العربي المشترك.
وأشار إلى أن صلات المنطقة بالعالم سبقت اكتشاف النفط، لافتاً إلى الدور الذي قامت به الموانئ والتجارة البحرية وتجارة اللؤلؤ في ربط المجتمعات الخليجية بالهند وغيرها من المجتمعات الآسيوية، وما صاحب ذلك من تواصل ثقافي وحضاري.
ونوّه بإسهامات التجار والرحالة من الخليج واليمن والعراق في نشر الإسلام بأجزاء من آسيا، مؤكداً أن المنطقة كانت منفتحة على العالم ولم تكن معزولة عن حركة التجارة وتبادل المعرفة والثقافات.
المراكز الثقافية
وأشار المطيري إلى أن خريطة التأثير الثقافي العربي شهدت تحولات خلال العقود الماضية؛ إذ تراجع حضور بعض المراكز التقليدية، في حين تعزز حضور المراكز الثقافية الخليجية. موضّحاً أن الثقافة العربية لا ترتبط بمركز واحد، وأن صعود الخليج ثقافياً يعكس اتساع مجالات التأثير وتعدد الجهات التي تسهم في إنتاج الثقافة والمعرفة، دون أن يعني ذلك انتقاصاً من مكانة العواصم الثقافية التاريخية.
وأضاف أن المراكز الثقافية الخليجية عززت حضورها من خلال جهود الكفاءات الخليجية والعربية، وما وفرته من منصات وجوائز ومهرجانات أتاحت فرصاً للإبداع والتفاعل، مؤكداً أن هذا الحضور يمثل إسهاماً مشتركاً في إثراء الثقافة العربية.
ونبّه إلى أن أهمية المؤسسات الثقافية لا تقاس بعدد الفعاليات والجوائز وحده، بل بقدرتها على إحداث تأثير فكري وثقافي يمتد إلى النقاش العربي، ويقدم إضافة تتجاوز حدود المناسبة أو الفعالية.
وتناول دور الجامعات بوصفها منابر للمعرفة والبحث، مشيراً إلى أن تقييمها ينبغي أن يشمل جودة خريجيها، وما تنتجه من بحوث ودراسات، إلى جانب أعداد الدارسين والبرامج الأكاديمية.
ولفت إلى احتضان الجامعات في قطر طلاباً وباحثين من جنسيات متعددة، معتبراً أن هذا التنوع يوفر مساحة للتفاعل وتبادل المعرفة، ويعزز الحضور العلمي والثقافي للمنطقة.
ورفض اختزال هذا الصعود في القدرة على التمويل، مؤكداً أن الموارد وحدها لا تفسر ما تحقق من حضور، وأن النجاح يرتبط أيضاً بالعمل المؤسسي والكفاءات والقدرة على تطوير مشروعات تستقطب الجمهور وتقدم قيمة معرفية وثقافية.
التحولات الإقليمية
وتناول المطيري أثر الأزمات الإقليمية في صورة الخليج ومواقف الجمهور العربي تجاهه، معتبراً أن اختلاف الروايات التي يتلقاها الجمهور يسهم في تفسير تباين المواقف ودرجات التعاطف مع الأطراف المختلفة.
وأشار إلى أن قدرة إيران على كسب تأييد قطاعات من الشارع العربي ترتبط، ضمن عوامل أخرى، بالرواية التي تقدمها عن نفسها، موضحاً أن صناعة الصورة تؤثر في طريقة فهم الجمهور للأحداث وتقييم مواقف الدول.
ونوه إلى أن الخليج يحتاج إلى رواية متماسكة تستند إلى الوقائع والصدق، وتتجاوز الاكتفاء بالرد على الآخرين إلى تقديم تفسير واضح لمواقفه وتحولاته ومصالحه.
وأوضح أن دول الخليج تجمعها روابط ومصالح مشتركة، رغم وجود تباينات وتنافس اقتصادي بينها، مؤكداً أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى عامل لإضعافها، بل يمكن الاستفادة من تنوع قدراتها وتجاربها لتعزيز التعاون.
وأضاف أن الأزمات تكشف مدى حاجة الدول بعضها إلى بعض، وأن تجاوز الخلافات والاستفادة من دروسها يساعدان على حماية المصالح المشتركة في مواجهة التحديات الإقليمية.
الإعلام الخليجي
وأكد المطيري أن امتلاك المنصات الإعلامية لا يكفي وحده لبناء رواية مؤثرة، بل يتطلب الأمر قصة واضحة ومتماسكة تعكس تاريخ الخليج وتحولاته وإنجازاته، وتُقدَّم بأسلوب قادر على الوصول إلى الجمهور وإقناعه.
واستشهد بتجربة شبكة الجزيرة، معتبراً أنها أصبحت مؤسسة إعلامية ذات تأثير عالمي وحضور بارز في التنافس على تقديم الروايات وتفسير الأحداث، بما يبرز أهمية المؤسسات الإعلامية في تشكيل الصورة والوعي.
وفي مجال الإعلام الرياضي، أشار إلى تجربة قنوات «الكاس»، معتبراً أن تطورها وقدرتها على تقديم تغطيات متميزة يعكسان أهمية التخصص وإتقان العمل في تعزيز الحضور الإعلامي الإقليمي.
ولفت إلى أن المنصات الرقمية غيّرت شكل الإعلام ووسعت دائرة المشاركين في إنتاج المحتوى، الأمر الذي يستدعي تطوير أدوات الخطاب الخليجي، والاهتمام بالمضمون والفكرة إلى جانب الوسيلة التي تنقلهما.
وشدد على أهمية تقديم الخليج بوصفه فضاءً إنسانياً واجتماعياً متنوعاً، يعيش فيه المواطنون والمقيمون ويسهمون في تطوره، مؤكداً ضرورة أن تعكس الرواية الإعلامية هذا التنوع، مع الاعتزاز بثقافة المنطقة وقيمها.
وفيما يتعلق بالحياد الإعلامي، رأى المطيري أن تحقيق الحياد الكامل أمر يصعب بلوغه، لكنه شدد على أن الإنصاف يظل معياراً أساسياً للمهنية، من خلال عرض الوقائع بعدالة، وتجنب الأحكام المسبقة والصور المختزلة.
تصحيح الصورة
وشهدت الندوة مداخلات وأسئلة من الحضور أثرت النقاش حول صورة الخليج في الإعلام، وضرورة تجاوز النظرة النمطية إلى المنطقة، وتقديم صورة أكثر إنصافاً تعكس واقع مجتمعاتها وتحولاتها وإسهاماتها.
وتناولت المداخلات دور المؤسسات الإعلامية والمثقفين ومؤثري وسائل التواصل الاجتماعي في مراجعة التصورات السائدة، وأهمية توظيف حضور المؤثرين وقربهم من الجمهور لإنتاج محتوى يبرز الجوانب الإنسانية والثقافية والحضارية للخليج، ويسهم في تعزيز الوعي بتاريخه وواقعه.
واختتم المطيري بالتأكيد على أن بناء صورة أكثر توازناً للخليج يبدأ من المعرفة والثقة والصدق، ويتطلب تعاون الإعلاميين والمثقفين والمؤسسات الثقافية في تقديم رواية تعكس حقيقة المجتمعات الخليجية، وتبرز إسهاماتها في الثقافة العربية، وتفتح المجال أمام فهم أعمق لتحولاتها ودورها الإقليمي والدولي.