This is a notification message.
د. محمد الخطيب: الموسوعة تنظم المعارف الإعلامية وتوحد مرجعياتها,
محمد سلعان المري: تعزّز حضور قطر في المشهد الثقافي والمعرفي,
إطلاق «جائزة التربية الإعلامية» لترسيخ ثقافة الوعي الإعلامي.. قريباً,
نظّم المركز القطري للصحافة جلسة نقاشية إثرائية ضمن جلسات «صالون الصحافة»؛ لمناقشة دور وأهمية الموسوعة الإعلامية التي أطلقتها المؤسسة القطرية للإعلام، بهدف تفسير معاني المصطلحات، ووضع النقاط على الحروف في زمن التطور والانتشار الرقمي.
شارك في الجلسة الدكتور محمد الخطيب، رئيس اللجنة العلمية للموسوعة الإعلامية، والأستاذ محمد سلعان المري، المشرف العام على الموسوعة الإعلامية.
أدارت الجلسة- التي أُقيمت في قاعة "عبد الله بن حسين النعمة" - الإعلامية عائشة الكواري، بحضور عدد من الصحفيين والإعلاميين والأكاديميين والطلبة، إضافةً إلى المهتمين بالشأن الثقافي والإعلامي.
واستهلّت الدكتورة عائشة الكواري الجلسة بالترحيب بالحضور الكريم، وهنأتهم بحلول شهر رمضان الفضيل، كما استعرضت المسيرة العلمية للدكتور محمد الخطيب في اللغة العربية، وعلوم القرآن الكريم، وجمعه بين العمل الأكاديمي في جامعة الأزهر والمشاركة في أكبر المشاريع اللغوية المعاصرة، إضافةً إلى كونه أحد الباحثين الرئيسيين المشاركين في صناعة معجم الدوحة التاريخي للغة العربية.
كما استعرضت مسيرة الأستاذ محمد سلعان المري، رئيس تحرير مجلة «إعلام»، والمتخصص والمدرب في مجال الإدارة الإعلامية، والذي أشرف على تدشين الموسوعة في نوفمبر 2025.، وله إسهامات أدبية وثقافية وإعلامية متعددة، منها قصة «علي في المجلس»، وكتاب «فن التأثير.. أسرار إدارة الحملات الإعلامية»، إضافةً إلى عدد من الإصدارات الأخرى في مجال الإعلام.
قراءة جديدة
في مستهل حديثه، أوضح الدكتور محمد الخطيب، أن فكرة إنشاء الموسوعة انطلقت من إدراك عميق لفوضى المصطلحات في زمن التحولات الرقمية المتسارعة؛ حيث باتت المفاهيم تُستورد وتُعاد فلسفتها بعيداً عن حقيقتها المعرفية والتاريخية، وأحياناً تُصاغ خارج سياقنا الحضاري والثقافي.
وأكد أن الموسوعة تقوم على مبدأ «رؤية الأشياء كما هي» لا كما تُزيَّف، عبر تقديم قراءة جديدة لبنية المفهوم الإعلامي: تفكيكاً وتتبعاً لمسيرته، وكشفاً لمسارات تشكّله، وصولاً إلى بناء فهم أكثر اتساقاً مع واقعنا.
وأوضح أن اختيار هذا التوقيت يمثّل بنية ضبط معرفية تسعى من خلالها الموسوعة إلى تنظيم المعارف الإعلامية وتوحيد مرجعياتها، موضحاً أن الموسوعات تنقسم إلى ثلاثة أنواع، هي: معجمية تُعرّف اللفظ ومعناه، ووصفية تقدّم المفهوم ضمن سياقه النظري والمدارس التي تأسس عليها، وتحليلية تفكيكية تتبّع مسيرة المفهوم منذ ولادته، وتفكك لغته ومنهجه ومعالم تشكيله.
وأشار إلى أن هذه المقاربة الأخيرة هي التي تتبناها الموسوعة، بوصفها نموذجاً يمكّن القارئ من قراءة المفهوم الإعلامي في واقعنا المعاصر بوعي نقدي ومعرفة راسخة.
مرجع قطري - عربي
من جانبه، أكد الأستاذ محمد سلعان المري، أن مشروع الموسوعة يمثّل إضافة نوعية تعزّز حضور دولة قطر في المشهد الثقافي والمعرفي العربي، بوصفها دولة تبادر بإطلاق موسوعة إعلامية عربية ذات طابع أكاديمي وعلمي.
وأوضح أن الموسوعة لا تكتفي بجمع المصطلحات وتدوينها، بل تعمل على «هندسة» المعرفة الإعلامية وإعادة تقويمها وتصحيحها، من خلال تتبّع مسارات المفاهيم المتداولة في الإعلام الحديث وتقديمها ضمن إطار مرجعي منضبط يخدم القارئ العربي.
وبيّن أن المستفيدين من هذا المشروع يمتدون من الإعلاميين والأكاديميين إلى الطلبة والممارسين في الحقل الإعلامي، بما يرسّخ الحاجة إلى مرجع عربي موثوق يسهم في تطوير الفهم المهني والنظري للمفاهيم.
كما شدد على أن الموسوعة تتجاوز نطاقها المحلي لتغدو مشروعاً قطرياً- عربياً موجّهاً للإعلام العربي، يعزّز حضوره ويرفد مساراته التطويرية بأداة معرفية رصينة.
تحديات منهجية
وفي تناوله للصعوبات، أشار الدكتور محمد الخطيب إلى أن العمل على مشاريع موسوعية من هذا النوع يواجه تحديات منهجية مركّبة، تتطلب سنداً مؤسسياً يؤمن بأن اللغة وضبط المفهوم يمثلان أحد أبرز ملامح نهضة الأمم، مؤكداً أن تصحيح المفهوم ليس ترفاً معرفياً، بل مطلباً معرفياً وأخلاقياً أصيلاً.
وبيّن أن المصطلحات ليست على وتيرة واحدة؛ إذ منها ما يُعد «مفهوماً مفرداً» لا يستتبع منظومة مفاهيمية واسعة، ومنها ما يُعد «مفهوم منظومة» يشدّ إليه شبكة من المفاهيم المترابطة. وضرب مثالاً بمفهوم «الخوارزميات» بوصفه مفهوماً منظومياً بات يترك أثراً مباشراً في تشكيل عقلية الإنسان، والتأثير في وعيه وأنماط تلقيه.
واعتبر أن أول التحديات يتمثل في «تسييل المفاهيم» ضمن ما وصفه بعصر السيولة، حيث ينطلق المفهوم من اتجاه ويُؤخذ به إلى اتجاهات أخرى متبدلة، بما يربك الفهم ويشوّش الدلالة.
كما لفت إلى تحدٍ منهجي ثانٍ يتصل بما أسماه «تبييض اللغة» في الخطاب الإعلامي، موضحاً أن الموسوعة لم تقف عند حدود توصيف مكونات الإعلام، بل اتجهت إلى تفكيك المفاهيم التي تصنع الإعلام وتؤثر في وعي الجمهور به، مستشهداً بكيفية توظيف اللغة في تغطية أحداث كبرى شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وكيف يمكن للخطاب أن يُعاد تشكيله لتغيير إدراك المتلقي.
وأضاف أن من أعقد ما يواجه الفريق البحثي، هو التمييز الدقيق بين المفهوم المفرد والمفهوم المنظومة عند التحليل والاشتقاق وربط الدلالات، في ظل تعدد الحقول المعرفية المتداخلة التي تتحكم في تشكّل الخطاب.
وخلص إلى أن التحدي الأوسع يرتبط بضعف الاستثمار العربي في إنتاج هذه المفاهيم وتوطينها؛ إذ إن جانباً معتبراً مما كُتب عنها ظل مستنداً إلى مرجعيات غربية، مؤكداً في المقابل امتلاك الثقافة العربية وأدوات اللسانيات ما يمكّن من تفكيك المفاهيم وبنائها وفق سياقاتنا الحضارية والمعرفية.
وعي متجدد
أوضح الأستاذ محمد سلعان أن الموسوعة تنطلق من مبدأ التحديث المستمر للمصطلحات عبر قنوات متعددة، بما يضمن مواكبتها للتحولات المتسارعة في بيئة الإعلام الحديث.
ونوه بأن فريق العمل يتعامل مع أي مصطلح جديد يثير تساؤلات بوصفه فرصة لفتح مسارات بحثية أعمق، وصناعة تفاعل معرفي يهدف إلى الوصول إلى أقصى مدى ممكن في تحليل المفهوم وتفكيكه ضمن سياقه.
وفي السياق ذاته، حدّد الدكتور محمد الخطيب أربعة مستويات للجمهور المستهدف، تبدأ بالأكاديميين بوصفهم الحاضنة العلمية القادرة على توطين المفاهيم داخل بيئات البحث والتدريس، ثم الطلبة عبر تمكينهم من أدوات تفكيك المفهوم وإعادة بناء الخبر برؤية نقدية.
أما المستوى الثالث فيتمثل في صنّاع المحتوى، مؤكداً أن بنية الإعلام شهدت تغيرات جوهرية، وأن كثيراً مما كان يُعرَّف به الإعلام سابقاً لم يعد قائماً بالشكل ذاته. ويأتي الجمهور العام في المستوى الرابع، باعتبار أن استخراج المفاهيم وضبطها ينعكسان مباشرة على ثقافة الأمة ووعيها.
وأشار إلى أن الجمهور يمتلك في جوهره ثقافة واحدة قد تتجاوز - في بعض الأحيان - وعي بعض الممارسين أنفسهم إذا ما توفرت له الأدوات الصحيحة، مضيفاً أن التجربة رافقها تفاعل ملحوظ وتغذية راجعة من الأجيال الجديدة، بما يعكس تعطشاً معرفياً لفهم المصطلحات وتفكيكها ضمن سياقاتها الواقعية والمعرفية.
جائزة التربية الإعلامية
أوضح الأستاذ محمد سلعان المري أن الموسوعة صُممت منذ بدايتها بهدف الوصول إلى أوسع شريحة ممكنة، ولذلك تم تدشين نسخة إلكترونية تحتوي قسماً مسموعاً، يراعي الفئات السمعية ويتيح للجمهور الاستماع إلى النطق الصحيح لبعض المصطلحات التي قد يصعب لفظها، بما ينسجم مع اختلاف أنماط التلقي وتنوع الجمهور.
وبيّن أنه بالتزامن مع تدشين الموسوعة جرى نشر 100 مصطلح عبر المنصة الإلكترونية، إلى جانب إتاحة نحو 700 نص رقمي، كما تم تخصيص 30 مصطلحاً بتفسيرات مقتضبة عبر الإذاعة.
وكشف عن أن المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق «جائزة التربية الإعلامية»، وهي جائزة بحثية موجهة للباحثين بما يعزز مسارات الإنتاج العلمي ويرسخ ثقافة الوعي الإعلامي.
نقاش ثريّ
شهدت الجلسة مداخلات ثرية من الضيوف والحضور، اتسمت بعمق الطرح وتنوع الزوايا التي تناولت موضوع الموسوعة ودورها في ضبط المفاهيم الإعلامية في ظل التحولات الرقمية.
وتميّز التفاعل بالنقاش الحي والأسئلة الدقيقة التي فتحت مسارات إضافية للحديث حول منهجية بناء المصطلح، وكيفية تحديثه، وحدود استخدامه في الخطاب الإعلامي اليوم، بما يعكس اهتماماً متزايداً لدى الأكاديميين والطلبة والممارسين وصنّاع المحتوى.
كما أضفت المداخلات حيوية على الجلسة، وأسهمت في تحويلها إلى مساحة معرفية مفتوحة لتبادل الخبرات والرؤى، وسط تأكيد مشترك على أهمية توفير مرجع عربي موثوق يعيد ترتيب العلاقة بين اللغة والإعلام والوعي العام.