This is a notification message.

المركز القطري للصحافة يستعرض 7 تحديات صحفية خلال الحروب والأزمات

المركز القطرى للصحافة

 

د. طالب العذبة: الذكاء الاصطناعي أخطر أدوات التضليل الإعلامي,

 

د. عبدالله الحر: تأهيل الصحفيين للتعامل مع الأزمات والحروب,

 

نجوان سمري: انهيار ضمانات سلامة الصحفيين في غزة,

التاريخ

٠٥ مايو ٢٠٢٦

الوقت

٠٧:٢٩ص

نظم المركز القطري للصحافة، بالتعاون مع قسم الإعلام في كلية الآداب والعلوم بجامعة قطر، ندوة بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، ضمن جلسات "مجلس الصحافة"، تحت عنوان "حرية الصحافة في وقت الأزمات والحروب"، وذلك بحضور نخبة من الأكاديميين والإعلاميين والمهتمين بالشأن الصحفي، في قاعة الأستاذ عبد الله بن حسين النعمة، بمقر المركز.

 

شارك في الجلسة كل من الدكتور طالب العذبة، المختص في الاتصال الاستراتيجي واتصال الأزمات وعضو هيئة التدريس في قسم الإعلام بجامعة قطر، والصحفية الفلسطينية نجوان سمري، مراسلة قناة الجزيرة في فلسطين، والدكتور عبدالله الحر، المحاضر في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم بجامعة قطر.

 

عُقدت الجلسة تزامناً مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي جاء هذا العام تحت شعار "تشكيل مستقبل يسوده السلام"، في سياق يسلّط الضوء على تداخل الصحافة مع التكنولوجيا والحيز المدني وحقوق الإنسان، وسبل تعزيز منظومة المعلومات مستقبلاً.

 

وجاءت الندوة في سياق دولي يتسم بتصاعد النزاعات المسلحة، وبرزت خلاله مجموعة من التحديات، أبرزها:

-تشابك اعتبارات الأمن القومي مع حق الجمهور في المعرفة.

-تسارع التحول الرقمي في بيئة العمل الإعلامي.

-دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المجال الإعلامي.

-تصاعد إشكاليات التحقق من المعلومات.

-اتساع نطاق التضليل الإعلامي.

-تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة موازية للصراع الإعلامي.

-تراجع ضمانات سلامة الصحفيين خلال أدائهم واجبهم المهني.

 

وفي هذا الإطار، شكّلت الجلسة منصة لتبادل الرؤى حول مستقبل الصحافة في بيئات الأزمات والحروب، بما يعزز فهم دور الإعلام في اللحظات الحرجة، ويدعم تطوير مقاربات مهنية متوازنة بين حرية التعبير والمسؤولية، وبين حق المعرفة ومتطلبات السلامة، تأكيداً على دور المركز القطري للصحافة في إثراء النقاشات المهنية حول تحديات حرية الصحافة.

 

سرديات متحولة

أكد الدكتور طالب العذبة أن الاتصال في زمن الأزمات يختلف عن سائر أنماط الاتصال الإعلامي، كونه يقوم على ثلاث سمات رئيسية هي: الآنية، والسرعة، والمصداقية، وهي عناصر تجعل من التغطية الصحفية في لحظات التوتر اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الإعلامية على كشف الحقيقة بدلاً من الانزلاق إلى دعم توجهات أخرى، أو إعادة إنتاج سرديات مفروضة.

 وأوضح أن الأزمة بطبيعتها حالة غير مستقرة تخلق تحديات مركبة أمام الصحفي والمنصة الإعلامية والمجتمع على حد سواء، الأمر الذي يفرض على الصحفي أن يعيد، خلال التغطية، مساءلة معنى الصحافة وحرية الصحافة وحدودها ووظيفتها في أوقات الاضطراب.

وأضاف أن الحروب غيّرت ماهية السرديات الإعلامية، خصوصاً مع صعود الإعلام الرقمي وتطور التكنولوجيا، لافتاً إلى أن التأثير في حرية الصحافة لم يعد مقتصراً على المنع الميداني أو حجب الوصول إلى الخبر، بل أصبح يمتد إلى مستوى أعمق يتمثل في توجيه الإدراك العام من خلال الخوارزميات، وانتقاء المواد القابلة للترويج، والتحكم في نوعية المعلومات التي تصل إلى الجمهور.

وأشار إلى أن الإعلام المعاصر لم يعد يكتفي بنقل الحقيقة كما هي، بل يسعى في كثير من الأحيان إلى إدارة تدفقها وتشكيل أثرها، الأمر الذي يجعل توجيه السردية اليوم أقرب إلى التوجيه السلوكي والإدراكي منه إلى مجرد نقل محايد للوقائع.

 

ذكاء مؤثر

وفي حديثه عن أثر الذكاء الاصطناعي، أوضح الدكتور العذبة أن هذه التقنيات تركت تأثيراً بالغاً على المتلقي، وأصبحت واحدة من أخطر أدوات التضليل الإعلامي، حين تُستخدم في إنتاج محتوى شديد الشبه بالواقع، سواء على مستوى الصورة أو الصوت أو المشهد المركب. وقال إن التحدي لم يعد في مجرد التمييز بين الرسالة الحقيقية والمحتوى الاصطناعي، بل في بناء وعي نقدي لدى الجمهور والصحفي معاً، بما يحول دون الوقوع في فخ التصديق السريع أو التلقي السلبي.

وشدد على أن مواجهة هذا التأثير تتطلب العمل على مستويين متكاملين: مستوى مؤسسي، من خلال وضع ضوابط واضحة لاستخدامات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، وتنظيم برامج تدريبية توضح الفروق بين المحتوى الواقعي والمحتوى المصنوع؛ ومستوى فردي يقوم على تنمية مهارات التحقق، وقراءة مصدر الخبر، وفهم سياقه، وتتبع تداعياته، والقدرة على تمييز الرسائل التي تنتج حالة من الانغلاق المعرفي، أو ما يشبه "القوقعة" التي تدفع الفرد إلى الشك في كل ما يتلقاه.

 وأكد أن رفع الوعي لا يمكن أن يقتصر على الجهد التقني فقط، بل يتطلب شراكة حقيقية بين الممارسين والأكاديميين لوضع ممارسات مهنية تسند وعي الفرد وتحصنه.

 

إعداد أكاديمي

وبدوره، أكد الدكتور عبدالله الحر أن تأهيل الصحفيين للتعامل مع الأزمات والحروب لا يمكن أن يظل حبيس الإطار النظري داخل القاعات الدراسية، في ظل الفجوة الواضحة بين ما يُدرّس أكاديمياً وما تفرضه الممارسة الصحفية على أرض الواقع من تعقيدات مهنية وإنسانية وميدانية.

 وأوضح أن الحديث عن تكريم الصحفيين، والدفاع عن وسائل الإعلام، والتأكيد على استقلاليتها في نقل الأخبار، يكتسب أهميته الحقيقية حين يُترجم إلى وعي مهني قادر على الصمود أمام اختبارات الواقع العملي.

وأشار إلى أن الدراية الإعلامية تمثل إحدى الركائز الأساسية التي يذكّر بها اليوم العالمي لحرية الصحافة، ليس فقط بالنسبة للصحفيين، بل أيضاً للجمهور بوصفه طرفاً فاعلاً في العملية الاتصالية التي لم تعد أحادية الاتجاه كما في السابق، بل أصبحت أكثر تفاعلية وتأثيراً.

 وأضاف أن الصحفي اليوم لم يعد مطالباً بإنتاج الرسالة الإعلامية فحسب، بل بفهم آليات تلقيها، ومتابعة أثرها، وقراءة مؤشرات التفاعل والأرقام والمشاهدات، بما يسهم في تقديم محتوى أكثر فاعلية ومسؤولية، وأكثر وعياً بالتحولات التي طرأت على العلاقة بين الوسيلة والمتلقي.

 

وعي مهني

وشدد الحر على أن الصحفي بحاجة إلى الإلمام بأساسيات العمل الإعلامي، وفهم طبيعة الوسائل المختلفة، واستيعاب التحولات التي تطرأ على المبادئ المهنية عندما تدخل الصحافة فضاء الحروب والأزمات، حيث تخضع القواعد ذاتها لاختبارات شديدة الحساسية. ولفت إلى أن الجمع بين التأصيل النظري والتدريب الميداني لم يعد خياراً تكميلياً، بل ضرورة لتخريج صحفيين قادرين على التعامل مع البيئات المعقدة، واستيعاب مسؤولياتهم المهنية والأخلاقية في لحظات تكون فيها الكلمة جزءاً من معادلة الأمن والوعي العام.

 

شهادة ميدانية

ومن جهتها، قدمت الصحفية نجوان سمري شهادة ميدانية مؤثرة، استعرضت خلالها تجربتها الصحفية التي وصفتها بأنها شديدة القسوة والتعقيد، انطلاقاً من عملها لسنوات من الجانب الإسرائيلي، حيث واجهت واقعاً بالغ الحساسية تحكمه الاعتبارات الأمنية والقيود السياسية ومحاولات التأثير في السردية الإعلامية.

وأوضحت أن هذه التجربة كشفت لها مبكراً حجم التحدي الذي يواجهه الصحفي في بيئة نزاع تتنازعها الروايات وتخضع فيها الحقيقة لضغوط متواصلة، سواء من حيث الوصول إلى المعلومات، أو حرية الحركة، أو القدرة على نقل الوقائع دون تشويه أو انتقاء.

وأضافت أن قرار منع قناة الجزيرة من العمل شكّل تحولاً خطيراً في استهداف العمل الإعلامي؛ لأنه لم يقتصر على تقييد مؤسسة إعلامية بعينها، بل حمل دلالة أوسع تتصل بمحاولة التضييق على التغطية المستقلة، والحد من وصول الرواية الصحفية المهنية إلى الجمهور، في لحظة تصبح فيها المعلومة جزءاً من معركة مفتوحة على الإدراك والرأي العام.

 

استهداف مباشر

وأكدت نجوان سمري أن المشهد ازداد قسوة منذ السابع من أكتوبر، إذ دخلت التغطية الصحفية مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً في ظل تصاعد الحرب، واتساع نطاق الدمار، وانهيار الضمانات المرتبطة بسلامة العمل الإعلامي. وأوضحت أن ما جرى منذ ذلك التاريخ لم يكن مجرد تصعيد عسكري، بل تحول إلى اختبار غير مسبوق لقدرة الصحفيين الفلسطينيين على الاستمرار في أداء رسالتهم وسط الاستهداف المباشر، وفقدان مقومات الحماية، والعمل تحت القصف والتهجير والانقطاع المتكرر في الاتصالات والخدمات الأساسية.

وأضافت أن الصحفي الفلسطيني لم يعد يواجه فقط صعوبة التغطية في بيئة حرب، بل أصبح هو نفسه في قلب الخطر، يتنقل بين أداء واجبه المهني ومواجهة الفقد الشخصي والتهديد المباشر لحياته وحياة أسرته.

واستعادت في هذا السياق جريمة اغتيال الزميلة شيرين أبو عاقلة بوصفها محطة فارقة ومؤلمة في الوعي الصحفي الفلسطيني والعربي، لما حملته من دلالة صريحة على حجم المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون في الميدان، حتى وهم يمارسون عملهم بصورة واضحة ومعلنة.

ولفتت إلى أن ما أعقب ذلك، ولا سيما منذ السابع من أكتوبر، أظهر بوضوح أن استهداف الصحفيين الفلسطينيين لم يعد حدثاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من مشهد بالغ الخطورة، تعكسه أعداد الشهداء والجرحى من الإعلاميين، واستهداف مقار إعلامية، وتدمير منازل صحفيين، وملاحقة الشهود على الحقيقة في أكثر من موقع.

وشددت على أن هذه الوقائع تضع المجتمع الدولي والمؤسسات المعنية بحرية الصحافة أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية كبرى؛ لأن حماية الصحفيين لا يجوز أن تبقى مجرد شعار، بل يجب أن تتحول إلى موقف فعلي وآليات واضحة تكفل سلامتهم وحقهم في نقل الحقيقة.

 

مسؤولية مشتركة

وأوضحت نجوان سمري أن الحفاظ على المهنية في مثل هذه الظروف الاستثنائية يتطلب قدراً عالياً من الصلابة والانضباط، والقدرة على التحقق من المعلومات وسط الفوضى، والتمسك بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الضحايا والجمهور والحقيقة في آن واحد.

وأكدت أن التغطية في زمن الحرب لا تختبر مهارة الصحفي المهنية فقط، بل تختبر أيضاً إنسانيته وقدرته على الصمود، مشيرة إلى أن الصحفي الفلسطيني قدم خلال هذه المرحلة نموذجاً استثنائياً في الإصرار على أداء الرسالة رغم كل ما يحيط به من مخاطر واستهداف وخسارات شخصية متلاحقة.

واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن حرية الصحافة في أوقات الأزمات والحروب لم تعد مسألة مهنية مجردة، بل قضية ترتبط بسلامة الصحفيين، وحق الجمهور في المعرفة، ومناعة المجتمعات في مواجهة التضليل وتزييف الوعي.

كما عكست الجلسة أهمية استمرار الحوار بين الميدان والأكاديمية والمؤسسات المهنية، بما يسهم في بناء بيئة إعلامية أكثر قدرة على التوازن بين المسؤولية والحرية، وعلى مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في زمن الأزمات.