This is a notification message.

المركز القطري للصحافة يناقش تحديات إفلات قتلة الصحفيين من العقاب

المركز القطرى للصحافة

 

خالد لبد: غياب الإرادة الدولية الحقيقية وراء إفلات القتلة من المحاسبة.

 

عمر إدلبي: مطلوب لجنة قانونية مستقلة لتوثيق الجرائم ضد الصحفيين.

 

سعيد ثابت: القتلة يتحركون بثقة لأنهم يدركون أن العدالة الدولية عاجزة.

 

د. عبدالمطلب صديق: المواقف المتناقضة تفضح انتقائية الخطاب الحقوقي.

التاريخ

١٧ نوفمبر ٢٠٢٥

الوقت

٠٨:٠٠ص

نظّم المركز القطري للصحافة جلسة حوارية بعنوان: "قتل الصحفيين جريمة بلا عقاب"، ضمن جلسات "مجلس الصحافة"، تناولت تصاعد الانتهاكات ضد الصحفيين وتزايد جرائم الاستهداف الممنهج لهم في مناطق النزاع والحروب. وحضرها عدد من الصحفيين والباحثين والمهتمين بحقوق الصحفيين في مناطق النزاع.

أدارت الجلسة السيدة نانسي موسى، وتحدث فيها كل من السادة سعيد ثابت (صحفي يمني ومدير مكتب قناة الجزيرة في اليمن)، وخالد لبد (صحفي فلسطيني ومنتج أخبار بمكتب قناة الجزيرة في غزة)، وعمر إدلبي (صحفي سوري وباحث في القانون الدولي)، والدكتور عبدالمطلب صديق (أكاديمي ومدير تحرير قناة الشرق سابقاً).

 وجاءت الجلسة ضمن جهود المركز في تعزيز النقاش المهني والقانوني حول سبل حماية الصحفيين ومحاسبة الجناة، وإبراز الدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسات الإعلامية العربية في مواجهة ظاهرة الإفلات من العقاب.

 

الإفلات من العقاب

في مستهل الجلسة، أكد الصحفي خالد لبد أن الإفلات من العقاب لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح نمطاً مقلقاً في ظل غياب الإرادة الدولية الحقيقية لمحاسبة مرتكبي الجرائم ضد الصحفيين، الأمر الذي جعل القتل والقمع أداة سياسية تستخدم لإسكات الصوت الحر، وتكميم الأفواه.

 وأشار إلى أن ما يجري في غزة يمثل نموذجاً صارخاً لهذا الواقع المؤلم؛ إذ تجاوز عدد الشهداء الإعلاميين 256 صحفياً خلال العامين الماضيين في واحدة من أكبر المذابح التي شهدتها الصحافة منذ عقود.

 وأوضح أن الاحتلال الإسرائيلي لا يكتفي باستهداف الأفراد، بل يشن حملة موجهة ضد المؤسسات الإعلامية التي تنقل الحقيقة للعالم، وعلى رأسها شبكة الجزيرة التي فقدت نخبة من كوادرها أثناء تغطيتهم الميدانية، فيما يبدو كجزء من سياسة متعمدة لإخماد صوت الحقيقة.

وأوضح أن اغتيال الزميلة شيرين أبو عاقلة كان لحظة فارقة في تاريخ الإعلام الفلسطيني والعربي؛ إذ كشف بوضوح أن الاحتلال الإسرائيلي لا يخشى المحاسبة، وأن استمرار الصمت الدولي، وإفلات المجرمين من العقاب والحساب، شجع على ارتكاب المزيد من الجرائم، وأشار إلى أن الصحفيين في غزة اليوم يعملون في ظروف قاسية ومليئة بالمخاطر دون أي ضمانات أو حماية دولية، ومع ذلك يواصلون أداء واجبهم المهني والإنساني في نقل الحقيقة للعالم.

 

الصحافة والحرية قيمة عليا

من جهته، تحدث الصحفي عمر إدلبي عن البعد القانوني لهذه الجرائم، ووصف إسرائيل بأنها "عصابة" أثبتت قدرتها على الإفلات من العقاب، في ظل حالة من عدم اليقين بقدرة القانون الدولي على محاسبة المجرمين.

وأكد أن القانون الدولي الإنساني في بنوده يجرم استهداف الصحفيين باعتبارهم مدنيين محميين أثناء النزاعات المسلحة، إلا أن ضعف آليات تنفيذ القوانين جعل من العدالة مسألة انتقائية، تخضع للحسابات السياسية أكثر من المبادئ الحقوقية.

ودعا إدلبي إلى تشكيل لجنة قانونية عربية- دولية مستقلة لتوثيق الجرائم ضد الصحفيين، وجمع الأدلة والشهادات لرفعها أمام المحكمة الجنائية الدولية، مشدداً على أن التوثيق المهني الدقيق، هو الخطوة الأولى في مسار العدالة.

 كما أشار إلى أن الإفلات من العقاب لا يهدد حياة الصحفيين فحسب، بل يقوض أسس حرية التعبير وحق المجتمعات في المعرفة، وهو ما يجعل هذه القضية مسؤولية جماعية تتجاوز حدود المهنة، وأضاف: "الصحافة والحرية قيم عليا يجب عدم المساس بها".

 

ازدواجية المعايير

وركز الدكتور عبدالمطلب صديق على البعد الأخلاقي والإعلامي للقضية، منتقداً ما وصفه بـ"ازدواجية المعايير" في تعامل بعض الدول والمؤسسات الدولية مع قضايا استهداف الصحفيين في غزة، وسوريا، والسودان، واليمن، وغيرها من الدول التي تشهد صراعات وأزمات، واستشهد بخطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما وصف ازدواجية المعايير بأنها تشكل خطراً على الإنسان،.

وأوضح صديق أن المواقف الغربية المتناقضة بين ما يحدث في غزة، وبين مواقفها السابقة في قضايا مشابهة، تفضح انتقائية الخطاب الحقوقي، وتؤكد أن حرية الصحافة ما زالت تخضع لمعايير سياسية ومصلحية، وأضاف أن الصمت المطبق الذي تمارسه وسائل إعلام عالمية كبرى إزاء الجرائم الإسرائيلية ضد الصحفيين يعد تواطؤاً ضمنياً مع القتلة، ومشاركة في استمرار الجريمة من خلال التعتيم على الحقيقة.

 وأكد أن ما يشهده السودان من اعتداء المليشيات المجرمة على المدنيين وقتلهم، وقتل الصحفيين واحتجازهم قسراً وسجنهم ونفيهم وتدمير جميع الوسائل والمنشآت الإعلامية، يعد انتهاكاً لجميع القوانين، ويجب معاقبة هؤلاء المجرمين ومحاسبتهم، وأشار إلى أن السردية البديلة اليوم في وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي، تتيح المجال للابتكار، وتساعد المجني عليه في الدفاع عن حقه ونقل ما يحدث فعلاً.

 ودعا إلى تفعيل دور المؤسسات الأكاديمية والإعلامية في العالم العربي؛ لتوثيق جرائم القتل والانتهاكات بحق الصحفيين من أجل بناء ذاكرة مهنية تحفظ الحق وتمنع تكرار المأساة.

 

شاهد ومشهود

وأكد الصحفي سعيد ثابت، مدير مكتب قناة الجزيرة في اليمن، أن ما يجري في غزة، واليمن، وسوريا، والسودان، وغيرها من مناطق النزاع يؤكد أن الصحفي أصبح هدفاً مباشراً لكل من يخشى الحقيقة.

 وقال: إن القتلة اليوم يتحركون بثقة؛ لأنهم يدركون أن العدالة الدولية عاجزة عن اتخاذ خطوة فعلية لمحاسبة المجرمين، وأن ملفات استهداف الصحفيين غالباً ما تُغلق دون عقاب.

وتابع: إنه يجب أن نثبت أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تقوم بقتل الصحفيين فعلاً، وقال:" الاحتلال هو مشكلة وحالة إجرامية موجودة على هذه الأرض"، وأشار إلى أن الجريمة الأولى التي ارتكبها الاحتلال هي اغتصاب أرض فلسطين.

وأضاف: الصحفيون في غزة الآن ما بين شاهد ومشهود؛ فهم مستهدفون لكونهم فلسطينيين في المقام الأول.

 

ليسوا أرقاماً

وتحدث السيد خالد لبد عن واقع استهداف الصحفيين الفلسطينيين، مشيراً إلى أنهم ليسوا مجرد أرقام، بل هم أشخاص يعملون ليلاً ونهاراً في ظروف لا يمكن أن يعمل فيها أحد في العالم؛ فهم يعملون تحت النار والقصف والجوع والتهديد.

وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي الغاشم ما زال يستهدف الصحفيين الفلسطينيين حتى بعد التوصل لاتفاقية وقف إطلاق النار؛ فبعد يومين فقط من توقيع الاتفاقية قام باستهداف وقتل صحفيين، وأضاف:" قتل الصحفيين في فلسطين هو رسالة للصحفيين الآخرين لتخويفهم وإسكاتهم"، ولم يكتفِ المجرمون بقتل الصحفيين فقط، بل يقومون بقتل أسرهم.

كما تعمل إسرائيل على جعل الصحافة وصمة عار؛ لنبذ الصحفيين وعزلهم وحثهم على ترك عملهم، وظهر ذلك بشكل جلي من خلال تشويه سمعة أحد الصحفيين حتى يقوم الأفراد الآخرون بإبعاده وطرده من المجموعة.

 

مسؤولية قانونية

ووصف إدلبي القانون بأنه بلا أنياب؛ ويعمل فقط في الدول التي تقبل تنفيذه في إشارة منه إلى أن المجرمين لا يسري عليهم هذا القانون، فهم لا يعترفون بوجوده، وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت حراكاً دولياً وقانونياً واجتماعياً غير مسبوق، وكل هذا يضغط على الكيان الصهيوني، ويرجع هذا الحراك الكبير إلى عمل الصحفيين الدؤوب في نقل الحقيقة، كما هي بالصوت والصورة، حتى يرى المجتمع الدولي حقيقة الكيان الصهيوني.

 

صمت المؤسسات

ونوّه صديق إلى أن إحدى المشاكل تكمن في صمت المؤسسات العربية واتخاذها دور الحاضر الغائب، وعزا ذلك إلى عدم وجود إمكانيات ومقومات مادية لدى هذه المؤسسات، وضعف أجهزتها، كما أشار إلى أنه منذ بداية الأزمات في العالم العربي لم تتخذ موقفاً موحداً وصارماً تجاه ما يحدث، حتى مع تصاعد الأزمات والحراك الدولي الكبير تجاه القضايا التي تحدث في العالم العربي، وأشار إلى وجود وسائل إعلام تمتلكها الدول وتتحكم بما يتم نشره.

وأوضح أن من أحد الأسباب التي أدت إلى تراجع العمل الصحفي والصحفيين في السودان منذ بداية الصراع، هو انعدام الموارد التي تساعد الصحفي على عمله؛ فقد تم استهداف وتدمير جميع المنشآت الإعلامية من أقدمها إلى أحدثها وتسويتها بالأرض، مثل تلفزيون السودان الذي كان يعد أكبر وأقدم المؤسسات، بالإضافة إلى توقف الصحف وانقطاع الرواتب وسبل التغطية الإعلامية، فأصبح الصحفيون يعملون في مهن أخرى حتى يستطيعوا تأمين لقمة العيش، وقال في هذا السياق:" تفرق الصحفيون في السودان بين مقتول ومسجون ونازح ومخطوف وأسير".

وشبه صديق واقع الصحفيين في السودان بواقع الصحفيين في غزة، واعتبره مقدمة لما يحدث فيها؛ فقضية الفاشر في السابق كانت سياسية، ولكنها تغيرت الآن وأصبحت قضية إثنية وعرقية.

 

تحديات اليمن

ومن جهته، تحدث السيد سعيد ثابت عن واقع الصحافة في اليمن، وأشار إلى أنه منذ عام 2015 وحتى اليوم استشهد ما يقارب 100 صحفي، وأضاف أن الصحافة في اليمن أصبحت متعددة؛ أي كل مدينة تحتوي على وسيلتها الخاصة وواقعها الخاص، وذكر أن الصحف اليمنية توقفت منذ الانقلاب العسكري في عام 2014، وخرجت جميعها من العاصمة، وأصبح الصحفيون إما معتقلين أو محكومين بالإعدام.

وأشار إلى أن التحديات التي تواجه الصحافة في اليمن تمثلت في انقسام الوسائل، والرقابة الشديدة والمسبقة المفروضة عليهم، بالإضافة إلى الاغتيالات التي تطال الصحفيين وذويهم وسوء الوضع المعيشي وانقطاع الرواتب.

أما الصحفي عمر إدلبي فقد وصف الواقع الصحفي في سوريا بأنه صعب؛ لأنه توجد هشاشة قانونية ولا يوجد موارد للعدالة الانتقالية؛ فمنذ تحرير سوريا لم يتم تحريك دعوة قضائية واحدة لمحاسبة القتلة على جرائمهم بحق الصحفيين السوريين، فقد قُتل في سوريا منذ عام 2011 ما لا يقل عن 300 صحفي وصحفية، كما أضاف أن أحد التحديات تمثلت في تعدد الجماعات والفصائل المشاركة في الجرائم، مما جعل الإفلات من العقاب أمراً في غاية السهولة، بالإضافة إلى عدم وجود وثائق أو أدلة تثبت وتوثق الجرائم التي ارتكبت بحق الصحفيين السوريين منذ عام 2011 وحتى الآن.

ويرى سعيد ثابت أن طوفان الأقصى كشف السياسات الغربية والنفوذ الغربي الذي يتآزر مع إسرائيل ويدعمه، وتجلى ذلك في الروايات الإسرائيلية التي تبنتها جميع الوسائل والصحف الإعلامية الغربية منذ بداية الطوفان.

 

ثمن الحقيقة

وعبر الصحفي خالد لبد ببالغ الأسف عن أن قناة الجزيرة دفعت ثمناً بالغاً مقابل الحقيقة، وخصوصاً خلال العامين المنصرمين؛ فقد قُتل 10 من صحفييها، لكنها لم تتوقف ولم تتوانَ عن نقل الحقيقة والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، ونقل ما يحدث لهم إلى العالم أجمع على الرغم من خسارتها الكبيرة.

كما أشار إلى جريمة قتل الصحفية شيرين أبو عاقلة التي كشفت بشكل واضح عن سياسة ومنهج الاحتلال ومحاولاته إسكات الحقيقة؛ فشيرين كان لها دور كبير في نقل الواقع الفلسطيني وأطلق عليها لقب" مسطرة الصحفيين" نظراً لمهارتها وقوة حضورها وأهميتها في الصحافة الفلسطينية، وعلى الرغم من كشف القاتل الذي استهدفها برصاصه، فإنه لم تتم محاسبته على جريمته.

أما السيد عمر إدلبي فقد أوضح أنه توجد هناك اعتبارات أمام مساءلة إسرائيل ومحاسبتها على جريمة اغتيال شيرين، وغيرها من الجرائم التي ارتكبتها منذ عام 1948.

وأضاف الدكتور عبدالمطلب أن استهداف طواقم الجزيرة وغيرها، جاء لأن قناة الجزيرة تتخذ موقفاً مخالفاً للموقف الغربي؛ حيث قامت بقلب موازين الرواية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقامت بتفنيد الأكاذيب التي يروج لها الاحتلال ووسائل الإعلام الغربية، ويؤكد ذلك أن الكيان الصهيوني هو كيان إجرامي، وأن السردية الغربية هي سردية متحيزة ومزدوجة المعايير.

 

تجربة الجزيرة

وفي مداخلته، أكد الصحفي سعيد ثابت أن قناة الجزيرة وفرت جميع سبل الحماية الممكنة للصحفيين في قطاع غزة، وفي مناطق النزاع الأخرى بشكل عام.

وذكر أن قناة الجزيرة منذ تأسيسها في عام 1996 جاءت مختلفة، وراهن الجميع على فشلها إلا أنها نجحت حتى الآن وتوسعت وأصبحت إحدى أهم القنوات الإخبارية في العالم، ولطالما كان من أهم أولوياتها حماية مراسليها، وخصوصاً هؤلاء الذين يعملون في مناطق النزاع عن طريق توفير وسائل الحماية من خوذ وستر الصحفيين.

واختُتمت الجلسة بتأكيد المشاركين على ضرورة تحرك جماعي ومنظم من المؤسسات الإعلامية والحقوقية والاتحادات الصحفية العربية والدولية لبناء آلية دائمة لحماية الصحفيين ومحاسبة الجناة، ودعم الجهود الرامية إلى إدراج الجرائم ضد الصحفيين ضمن أولويات العدالة الدولية.

كما دعا الحاضرون إلى توحيد المواقف الإعلامية العربية في مواجهة هذه الانتهاكات وتعزيز ثقافة التضامن المهني، معتبرين أن معركة الصحفيين ضد الإفلات من العقاب ليست مجرد قضية مهنية، بل هي معركة من أجل الكرامة الإنسانية وحرية الكلمة، فتلك القيم هي التي تشكل جوهر العمل الصحفي ورسالة الإعلام في الدفاع عن الحقيقة مهما كانت التحديات.